رحلة العودة إلى جبل طارق
بقلم طارق جبل
أرض الله واسعة
سلمتُ إحدى الشقروات العاملات في مطار فرانكفورت الدولي جواز سفري القديم. قلبته البليدة المستهترة في كل الاتجاهات قبل أن تهتدي لأول صفحة فيه. ثم تطلعت في مزيج متساوي المولية من الحيرة والاستغراب إلى حروف أريد لها أن تكون عربية رسمها أحد أشباه الأميين القابعين في مصلحة الجوازات بخط شنيع. أخبرتها عن طبيعة الخط الزئبقية التي يتقاطع عندها رسم الخط العثماني مع خط الكوفة وتختلط فيها ملامح أردو الهند وباكستان بإيديوغرامات الصين واليابان...
الأعمار بيد الله
بعد عودتي إلى بلاد جبل طارق، استضافني أحد الزملاء الجراحين إلى عيادة خاصة ليستعرض علي عضلاته وتقنياته في غرفة العمليات. كنت قد أعددت نفسيتي لكل الاحتمالات الواردة وجميع الصدمات العارضة حال عودتي إلى بلاد العجائب، لكنني لم أحسب الرجل إلا مازحا عندما عرض علي تغيير ملابسي الخارجية في غرفة يجتمع فيها الأطباء لتجاذب أطراف الكلام الفارغ واحتساء الشاي وارتشاف القهوة، قبل أن يعرض علي مئزرا مريبا أسود - لست أشك في أنه عرف فيما مضى أياما رمادية سعيدة وأخرى بيضاء أسعد - من النوع الذي كان يلبسه الجراحون "الأولون" في قرون خلت كنت أظنها لن تعود. بعد حادث المئزر، في الوقت الذي كنت أنتظر فيه أن أُدل على موقع أغسل فيه يدي وساعدي بمحلول البيتادين، ناولني الدكتور الكريم قطعة صغيرة من صابون الكف نصحني بالتقشف في استعمالها، لأن سياسة المصحة لا تحتمل التبذير...
نوستالجيا جبل طارق
قدر المغاربة المهاجرين أن يتبدد في قلوبهم الحنين والنوستالجيا عندما ترتطم أجسادهم بصخرة الواقع عندما تطأ أقدامهم أرض الوطن. جواز سفر عجيب لا يصلح إلا لرحلات الفضاء الخارجي ولا تراه إلا في سلسلة ستار تريك وما شابهها من أفلام الخيال العلمي. مصحات خاصة لا تصح فيها إلا الميكروبات والفيروسات ولا تخص إلا البيزنس وعمليات الجزارة والصابون البلدي. قدر من يحب المغرب أن يقتله الحنين إلى رمال الصحراء الغربية وأراضي سبتة ومليلية وجزر الخالدات والجزر الجعفرية وجبل طارق. قدر من يغار على مصلحة الوطن أن يتابع أخباره في مقالات تافهة تعنى بمن تزوج ومن طلق ومن تنفس ومن تنهد ومن قام ومن قعد، أو افتتاحيات عنترية تكتبها ندابات محترفات بصيرة العين قصيرة اليد ضعيفة الحيلة، لا تملك من أمرها إلا البكاء والعويل على ما تعرفه البلاد من موبقات تفاقمت وتراكمت. قافلة الفساد تسير وكلاب الإصلاح تنبح، قدرها أن تعوم ضد التيار وتصب الماء فوق الرمل وتتبول في اتجاه الريح حتى تموت من الغيظ أويتصلب في قلبها شريان أو ينفجر في دماغها عرق. http://gibraltarblues.blogspot.com
