خدعة \"أخطر المجرمين\"
بوسلهام عميمر
تعرض القناة الثانية برنامج " أخطر المجرمين"، آخر يوم ثلاثاء من كل شهر، و يأتي هذا البرنامج على رأس البرامج التي تبثها القناة، باعتبار نسبة المشاهدة، ولكن هذا لا يمنع من تسجيل مجموعة من الملاحظات، نوردها على الشكل التالي في إطارالرأي والرأي الآخر:
1_ على الرغم من احتجاج المعنيين بالأمر من داخل زنازينهم على هذا البرنامج برمته، بما أنه يذكرهم بأسمائهم الحقيقية، وبألقابهم ( النينجا _ بوصمة_ بلوحوش صاحب البندقية_ زويتة _ الحاضي سفاح الأطفال_ الخنفوري...)، ويعرض صورهم، لما يسببه لهم ولذويهم من حرج ، فإنه لا يزال يعرض بما أنه يحقق بعض ما تهدف له القناة. فالغاية لديها تبرر الوسيلة.
2_ نتجاوز هذه الملاحظة الشكلية، على أهميتها بما أنهم نالوا جزاءهم فلماذا التشهير بهم؟ لنتساءل حول نسبة خطورتهم. فهل فعلا هؤلاء الذين تقدمهم القناة هم أخطر المجرمين هكذا بصيغة المبالغة؟ أم هناك من هم أخطر منهم ومع ذلك لاطاقة لأحد لأن يشير إليهم بالبنان، فبالأحرى جعلهم مادة إعلامية، تقدم مباشرة ليراها الملايين عارية بدون حتى ورقة التوت تستر عوراتهم، كما يقدم هؤلاء الذين هم عادة من أبناء الأحياء الخلفية والمهمشة؟
3_ فالعنوان بهذه الصيغة البلاغية " أخطر" على وزن" أفعل"، يغلق الأبواب ويسد النوافذ ليجعل هؤلاء الذين يقبعون وراء القضبان ومن على شاكلتهم، ممن لم يقعوا في قبضة الشرطة القضائية هم الأخطر، و من تم لا مجال للبحث عن غيرهم. فالخطر حفظ حسب البرنامج باسم هؤلاء وكفى المومنين القتال.
فهل هو أسلوب التعمية والتضليل، لتحويل الأنظار عن الخطر الحقيقي، الذي يجرف ملايين الضحايا، وليس ضحية واحدة أو اثنتين، كما هو الشأن بالنسبة لهؤلاء؟
فهل فعلا هؤلاء هم المجرمون حقا بوسائلهم البدائية حديدة أو مدية، و عادة ما تتم الجريمة في خضم جلسات خمرية يغيب فيها العقل كلية، أو تكون بسبب علاقات خارج الشرعية، كما تطالعنا يوميا الجرائد الوطنية؟
إذا كان هؤلاء الذين عادة ما لا يتجاوز ضحاياهم الواحدة أو اثنتين، تحت تأثير الخمرة أو المخدرات من أجل بضعة دراهم أحيانا أو من أجل محترفة بغاء، فماذا نقول مثلا عن أصحاب أساطيل النقل البري لما يسلمون حافلاتهم لكل من هب ودب ، ومنهم من لا يجلس خلف المقود حتى يسكر ويفتخر بذلك علانية، ليتولى مسؤولية نقل مئات المسافرين يوميا في الأيام العادية أما في المناسبات حيث لا رادع، فحدث ولا حرج، لما يقذف بالحافلات المهترئة في الطرقات. و تقع الكوارث؟
فهل يتم تتبع خيوط هذه الجرائم الكارثية، للوصول إلى أطرافها الرئيسية، وينال كل واحد جزاءه بقدر مسؤوليته في الجريمة المرتكبة، أم الحيتان الكبيرة لا سبيل لتعقب أثرها؟
وبكل تأكيد فالمادة ستكون دسمة إعلاميا، بما أن عناصر الإثارة ستكون أوفر، وعدد المتدخلين كثر، وصفاتهم متنوعة، مما يجعل دم الضحايا متفرقا على أكثر من قطاع. وباستحضار عدد الضحايا الأبرياء يكتمل المشهد الدرامي، الذين كان يحذوهم الأمل ليقضوا الأعياد مع ذويهم. لكن للأسف يجدون أنفسهم في عداد الهلكى، أو على أسرة المعطوبين في المستشفيات، إن كانوا من المحظوظين ووجدوا هذه الأسرة؟
وماذا نقول عمن يغمض العين لتمر أطنان الحشيش، لتقطع مئات الكيلومترات حتى تصل إلى أبواب المؤسسات التعليمية، بل وتجدها في قلب السجون متجاوزة كل الحواجز. فهل يختلف اثنان عما تسببه هذه الآفة الفتاكة من أمراض تتطلب من الدولة الملايين لمحاولة الحد من نزيفها، ومشاكل اجتماعية بالجملة، حتى بتنا نطالع عبر وسائل الإعلام جرائم في غاية البشاعة، في حق آباء أو أمهات يقضون نحبهم مقتولين بدم بارد، من قبل أبنائهم من أجل لفافة حشيش؟
وماذا نقول عن الطبيب الذي بإهماله وعدم تقدير مسؤوليته قدرها، يتسبب في مقتل أم، ومن تم تيتيم مجموعة أبناء، وما ينجم عن ذلك بالضرورة من مآسي لا حد لها؟ ومع ذلك ناذرا ما نسمع بملاحقته قضائيا لصعوبة إثبات الخطأ الطبي بما أن القضية تتعلق بتقرير طبي مضاد ينجزه زميله في المهنة.
من المفارقات كيف تتوصل الشرطة القضائية، في البرنامج المذكور، ببراعة إلى تحديد هوية القتلة رغم احترافيتهم في ارتكاب جرائمهم، ويستعصي ذلك في مجال الأخطاء الطبية، مع وجود الملفات الصحية والتحاليل والمراحل الاستشفائية ومعرفة العنصر البشري المتمثل في الطبيب ومساعديه... ؟
وماذا نقول عن المدرس الذي لا هم له سوى راتبه في آخر الشهر غير منقوص. أما ماذا يقدم للأبرياء من التلاميذ، فآخر ما يفكر فيه، بقدر ما يفكر في أصحاب الساعات الإضافيةعلى اعتبار مضمونية الأولى وخضوع الثانية للاجتهاد لجلب أكبر عدد من الضحايا. ألا يتسبب هذا المدرس في تزويد منسوب الإجرام بنسبة معتبرة؟ يقضي الطفل خمسة عشر سنة في المدرسة على الأقل التعليم الإلزامي ولا
يكاد يفرق بين الألف والعصا. فهل هناك جريمة أكبر من هذه تستحق أكثر من محقق يتولى الكشف عن ملابساتها ابتداء من أعلى الهرم الوزاري إلى أسفله، بدل اللجوء عادة للحائط القصير المتمثل في المدرس؟
فهؤلاء التلاميذ وما أكثرهم عادة ما تلفظهم المدارس ليكونوا مشاريع مجرمين، بما أن المدرسة أخذت منهم زهرة أعمارهم. فلا هي منحتهم الحد الأدنى من التربية والتعليم، ولا هي تركتهم يتعلمون وقت التعلم حرفة إن لن تغنهم، على الأقل تحفظ ماء وجوههم.
والمنعش العقاري الذي لا هم له سوى إقامة العمارات، فبتنا نتابع كيف يتم التحايل على مدارس لمحو أثرها وتشريد تلاميذها من أجل استغلالها في البناء، والطريق سالكة للحصول على التراخيص ولو على أراض غير صالحة للبناء، أو على فرشات مائية لا يهم، والجميع يعلم خطورتها، وتقع الكوارث. ألا يعتبر هذا أب الإجرام وأمه؟
ورئيس الجماعة الذي لا هم له غير تزويد رصيده الشخصي على حساب آلاف الناس ممن وضعوا فيه ثقتهم ليترك الحفر في الطرقات كالقبور، يتكسر من يتكسر ويعطب من يعطب، ومجاري المياه متروكة لحالها لتصبح المدن أو القرى مع أول قطرة مطر مستنقعات، ولعل فيضانات السنوات الأخيرة تغني عن أي تعليق. أليس هذا هو عين الإجرام يستحق أكثر من مخرج، وأكثر من كاميرا عشرية الأبعاد، تتولى تتبع جرائمهم، وينال كل واحد جزاءه بقدر مسؤوليته؟
ولا أعتقد أن مهمتهم ستكون صعبة في الوصول إلى مرتكبيها كما هو الحال بالنسبة للشرطة القضائية مع مجرمي برنامج " أخطر المجرمين". فالمسؤوليات واضحة والميزانيات تمرر عبر قنوات المفروض تكون واضحة، يؤشر عليها أكثر من مسؤول، وصرفها المفروض يتم وفق قوانين محددة، وعلى أرض الواقع المشاريع المنجزة من السهولة بمكان تحديد مدى مطابقتها للميزانيات المرصودة لها أم لا..
والصناديق وعلى رأسها صندوق التقاعد المفروض فيه أن يكون خطا أحمر، بما أنها أموال تقتطع اقتطاعا من عرق الكادحين، ويأتي من يصرح بين الفينة والأخرى، بأن المتقاعدين قد لا يجدون شيئا خلال هذه السنة أو تلك. هل هناك أفدح جرما من هذه التصريحات. وهل هناك أخطرجرما من المتسببين في كسادها؟ فلم لا نرى برنامجا عن هذا الإجرام؟ أم هو إجرام ناعم يتم بالقانون، ولا يترك وراءه غبارا كما يقال؟
هذا غيض من فيض مما يمكن رصده في كافة القطاعات. نقول هذا مع العلم أن أية جريمة، فهي مرفوضة شكلا ومضمونا. كان ضحيتها واحد أو مئات. فالله عز وجل يقول في كتابه المبين بصريح العبارة: "...من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا. ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا..." سورة المائدة
ولعلة ما، نعلمها أو نعلم جزء منها، لماذا اقترن الفساد في الأرض بقتل النفس في هذه الآية. ولا أعتقد أن القتل المقصود ينحصر فيما يعرض مثلا خلال حلقات برنامجنا المذكور، بقدر ما يشمل كل متسبب فيه بشكل مباشر أو عن بعد. قتل آني أو تدريجي أو ما يعرف بالقتل البطيء، ولعله أشد وطئا على النفس من القتل المباشر.
وبكل تأكيد لو وجد هذا النوع من الإجرام، من يتصدى له بجرأة وشجاعة إعلامية، سيحظى بمتابعة أكبر وأكثر، مما يسجله برنامجنا أخطر المجرمين، بما أن ضحاياه بالجملة وليس بالتقسيط.
