بداية نهاية......
يوسف الادريسي
لعل السياسي المُغرَّب أصبح يدرك أن الإسلام أضحى يحتل مساحة هامة في سلم الاهتمام السياسي العالمي، كما أنه يدرك أن تقدم الإسلاميين و تصدرهم المشهد السياسي العربي ليس إلا بداية نهاية مرحلة الاغتراب الفكري و تحرير المنظومة الفكرية الإسلامية من شوائب الإيديولوجيات المستوردة.
و مما لا شك فيه أن الظاهرة الإسلامية بدأت تشق طريقها قدُما نحو النمو و الاتساع على امتداد رقعة العالم الإسلامي بل و تطرق أبواب القارة العجوز، لتعلن عن انبعاث إسلامي جديد قد تصاحبه حالة من الترقب و الحذر لدى صناع القرار السياسي الفكري الغربي. لكن و في خضم هذه المعطيات الطارئة لازال السياسيون المغرَّبون لم يستسيغوا و لم يقبلوا أن يكون غير النموذج الغربي مصدر إشعاع حضاري و فكري ، وهو من كان يتحكم في مصير الشعوب و الأمم المستضعفة و يقودها بثقة سياسية ممنوحة و أنانية مستعلية مفتوحة.
ومن نافلة القول أن إشكالية التوفيق بين المستجدات السياسية في الساحة العربية المتحررة و نظيرتها في المشهد السياسي المغربي أضحت عنوانا بارزا في تقييم مبدأ الانخراط السياسي الإسلامي المغربي . وبغض النظر عن تلك الأحكام الاستباقية الملغومة و الرامية إلى النيل من المرجعية الإسلامية، فإن تقييم هذا الانخراط و نقده عملية ضرورية لتوضيح مساره و مآله ، لأنه أولا و أخيرا اجتهاد بشري خارج عن دائرة العصمة و القداسة.
و بالرجوع إلى النسق السياسي و الدستوري الذي تم فيه خيار المشاركة السياسية لدى الإسلاميين المغاربة، نجد أنه لا ينسجم مع شروط التغيير السياسي المؤسساتي. و لعل استقراءنا لما جاءت به التعديلات الدستورية على علتها و قلتها، قد يؤكد على أن دار لقمان لازالت على حالها ، وأن مبدأ الديمقراطية المغربية في فصل السلط ليس إلا شعار أجوف و عنوان مزيّف، بحيث أن جميع السلط ( التنفيذية + التشريعية + القضائية + الدينية) تتمركز في قبضة الفاعل السياسي الأول، و قد يبدو هذا الخلل الدستوري واضحا من خلال المسلسل الدرامي الذي واكب مخاض تشكيل الحكومة الإسلامية. ولهذا لا نستغرب إذا وجدنا حكومة الظل تخرج من ظلها لتخطط و تدبر في حضور شكلي لحكومة اختارها الشعب طوعا أو كرها.
و من ثم فإن الرهان على حكومة الشعب قد يكون بهتانا في غياب إرادة سياسية تستجيب لمطالب الأمة المقهورة و تجتث الفساد و الاستبداد من جذوره و تأخذه إلى حيث لا يعود.
إن الحفاظ على ثوابت العمل السياسي السليم و كيفية تنزيلها في واقع الناس، هو التحدي الأكبر الذي قد يواجه الفضلاء السياسيين في مشهد سياسي محدود، و تتجلى محدوديته في تسييجه و تفريغه من جوهر العمل السياسي المسئول. و لعل الدرس الاستقلالي و الاتحادي خير مثال على نجاعة سياسة التدجين الذي انتهجها العقل السياسي الرسمي لتقويض خصومه السياسيين.
ختاما أقول بأنه من العبث أن نقارن بين صعود الاسلاميين إلى السلطة في تونس و مشاركة الاسلاميين المغاربة في الحكومة. فشتان مابين السلطة و هامش السلطة.
