- أفريقيا القارة المستباحة ...دخول الهند على الخط.
ابراهيم حياني التزروتي
إذ إذا كان العالم أوروبي القيادة في القرن التاسع عشر و أمريكيه في القرن العشرين واحتمال كبير أن يكون بقيادة أسيوية في القرن الحالي (أو في نصفه الثاني على أبعد تقدير حسب العديد من المحللين)، فإنه من المحتمل والوارد جدا أن يكون القرن الثاني والعشرين إفريقيا بامتياز وهو ما تفطنت له الدول الاقتصادية الكبرى مبكرا، وتسعى لمواكبة الحدث بما يليق به.
أفريقيا في ضيافة الهند، هو العنوان الاقتصادي العريض لكبريات الصحف العالمية والمحلية ، ففي حدث يبدوا على انه نوع من الصراع نحو -التسلح بالصفقات- والنفوذ الاقتصادي من قبل القوى الاقتصادية الكبرى في العالم، وكما نظيرتيها الصين والولايات المتحدة الأمريكية استقبلت الهند ولأول مرة في تاريخها 40 من زعماء وقادة الدول الافريقة في قمة اقتصادية بين الطرفين في حدث يجمع لأول مرة كل هذا العدد من الزعماء في القارة في هذا البلد.
فالقارة الإفريقية التي كانت منذ القرن التاسع عشر والى حدود نهاية الحرب الباردة معقلا لقوتين تقليدين آنذاك، وهما بريطانيا في الجنوب والشرق، وفرنسا في الشمال ووسط غرب القارة، والتي لم تستطع أي دولة أخرى أن تنافسهما في ذلك إلا في استثناءات قليلة وفي بعض المناطق المحدودة جدا ، أصبحت اليوم تتخذ قرارها الاقتصادي بنوع من الاستقلالية النسبية عن قوى التحكم التاريخية، وأصبحت أسواقها مفتوحة أمام كل الرساميل الأجنبية دون استثناء، لتصبح اليوم محط تنافس اقتصادي شديد بين القوى الاقتصادية الكبرى وحتى الصغرى في العالم .
فعدما كانت هذه القارة بالأمس خطا أحمرا لا يسمح بتجاوزه لأي قوة أخرى، فإنه اليوم يبدوا أن الكثير من المعطيات تغيرت حول هذا الأمر، فصعود وتنامي الدور الأمريكي في العالم خاصة بعد تنحية خصمه السابق الاتحاد السوفياتي غداة سقوط جدار برلين (والذي كان نفوذه في الحقيقة آنذاك سياسيا أكثر مما هو اقتصادي)، عجل ذلك بدخول الأولى نادي المتصارعين حول اقتسام ثروات القارة، خاصة في المناطق التي كانت تابعة تاريخيا لبريطانيا،التي حل النفوذ الأمريكي محلها، وحتى مناطق النفوذ الفرنسي، وهو ما تسبب آنذاك في نشوب صراعات من جراء ذلك في مناطق عديدة مثل ما حصل ليبيريا و الموزمبيق زيمبابوي والكونغو وغيرها ...
غير أنه إذا تمكنت أمريكا من الحلول محل بريطانيا على الخصوص في المناطق ذات النفوذ الأنغلوساكسوني إلا أن الصين دخلت على الخط بقوة لتحل محل بريطانيا وأمريكا وحتى فرنسا في معاقلها التقليدية (شمال وغرب أفريقيا) متجاوزة بذلك القوى الثلاث، حيث إذا كانت هذه الثلاثة الأخيرة اعتمدت بالأساس على سياسة -ظاهرية- تحظر أي تعاون مع الأنظمة -غير الديمقراطية- في القارة، فإن الصين كانت برجماتية وأكثر واقعية ،حيث كسرت هذا المنع وقامت بنسج علاقات اقتصادية قوية مع كل البلدان بغض النظر عن سياساتها أو توجهاتها، وهو ما مكنها من الحصول على صفقات واستثمارات اقتصادية هائلة من جراء ذلك، جعلت منها الدولة الأكثر استثمارا في القارة، حيث حجم التجارة بينها وبين ودول قارة أفريقيا قد وصل إلى 200 مليار دولار في 2014، ما يفوق الناتج المحلى لـ30 دولة أفريقية مجتمعة.
الهند ذات المليار و300 مليون نسمة تسعى هي الاخرى لأن يكون لها موطئ قدم بذات القوة والحجم مثل نظيرتها الصينية ومنافستها الولايات المتحدة، فتمكن التنين الصيني من إزاحة سلطة ونفوذ القوى التقليدية ذات السلطة العريقة في القارة ، حفز دولا أخرى عديدة للحذو حذوها في ذلك، كاسرة في ذلك الفيتو غير المعلن للقوى السابقة، ومن ذلك جاء الدور على الهند هي الاخرى لتعلن نفسها كقوى اقتصادية عالمية ذات طموحات اقتصادية واعدة في القارة الأفريقية .ففى حين أنها لم تحقق في العام 2014 سوى 70 مليار دولار من المبادلات مع أفريقيا، تحاول الهند حاليا رأب هذا الصدع في العلاقات مع القارة مستغلة تاريخها المشترك مع العديد من البلدان الأفريقية فى مناهضة الحركات الاستعمارية، فالزعيم الهندى المهاتما غاندى بدأ نضاله ضد احتلال الإمبراطورية البريطانية فى جنوب أفريقيا التى تحتضن اليوم الملايين من المواطنين ذوى الأصول الهندية.
فهذا البلد الأسيوي الذي أصبح يلقب بأمة العباقرة وذلك لما يعرفه من ثورة علمية وتقنية هائلة توحي بولادة القوة العظمى العلمية التالية في العالم، وبمعدل نمو سنوي تعتبر من الأعلى عالميا حوالي % 7 مع توقعات بتجاوز معدل النمو لنظيره الصيني، إذ أنه وفقا لتقديرات مركز التنمية الدولية في جامعة هارفارد حول آفاق النمو في الهند، من المتوقع أن تحقق الهند أعلى معدلات النمو للناتج في العالم خلال السنوات الثماني المقبلة بمعدل نمو متوسط 7.9 في المائة وذلك حتى عام 2023، وما يزيد من فرص التطور والنمو أنها امة لم تنبن لا على النفط ولا على المعادن أو غيرها، وإنما امة نشأت وترعرعت على عبقرية شعبها العلمية والتكنولوجية.
فبالنسبة للهند إذا فرغم أنها دولة نامية إلا أنها تخطو بثبات لتصبح دولة اقتصادية عظمى مستقبلا، مستغلة في ذلك امتلاكها للملايين من العقول والأدمغة المحلية والمهاجرة والتي أصبح العديد منها يعود لنقل تجربته لوطنه الأم، فكثير من دول أمريكا الشمالية وأوروبا أصبحت تعج اليوم بكوادر وعقول هندية ، يكفي فقط أن نعرف أن نحو واحد من كل خمسة من جميع العاملين في حقل الرعاية الطبية وطب الأسنان في المملكة المتحدة مثلا من أصل هندي، كما أن واحد من كل ستة علماء موظفين يحملون درجة الدكتوراه في العلوم والهندسة في الولايات المتحدة من أصل أسيوي وهندي أيضا، كما أن هناك من يرى انه مع مطلع الألفية الجديدة أن ثلث المهندسين العاملين في وادي السيليكون هم من أصل هندي، وهذه كلها أرقام كفيلة لنحسب كل الحساب لهذه الدولة الصاعدة.
كما يجب أن نعرف أيضا الهنود يديرون أكثر من 750 من كبريات الشركات التقنية والتكنولوجية في الولايات المتحدة فقط، لعل أبرزها المدير التنفيدي لشركة غوغل "ساندر بشاي" و المدير التنفيذي لعملاق البرمجيات مايكروسوفت "ساتيا ناديلا"، إضافة إلى مدراء شركات كبيرة أخرى كنوكيا، سوفت بنك، سان ديسك، جلوبال فاوندريز، و أدوبي...وغيرها) .
كلها مؤشرات تجعل من هذه الدولة الأسيوية منافس جديد للقوى التقليدية المؤثرة اقتصاديا في هذا القارة التي من الوارد جدا أن يكون القرن الثاني من الألفية الثالثة هو عصرها الذهبي الذي تكون فيه الزعامة لها ، وذلك لعدة اعتبارات عديدة منها:
أن أفريقيا من القارات التي لا تزال تخبئ أراضيها ثروات معدنية وطاقية هائلة لم تستكشف بعد والتي تشكل اليوم مصدرا للتنافس بين القوى الكبرى المهيمنة وكثيرا ما تحول هذا التنافس إلى صراعات وحروب مباشرة أو بالوكالة عبر الانقلابات العسكرية والحروب الأهلية .
كما أن أفريقيا من القارات التي تعرف تزايدا سكانيا كبيرا مع احتمال تزايده في الارتفاع مع الأعوام القادمة، إذ حسب تقديرات للأمم المتحدة فإن عدد السكان الأفارقة في نهاية القرن الحالي، سيبلغ 4,2 مليارات نسمة، في حين أن عددهم اليوم يبلغ 1,1 مليار نسمة. وهو عكس ما يحصل في باقي القارات الاخرى التي تعرف تراجعا في التزايد السكاني، وصل في بعض الدول إلى مستوى التهديد المستقبلي لتواجد الدولة نفسها ، وهو ما له انعكاسات كبيرة وخطيرة على هاته المجتمعات، عل أهمها انخفاض وتيرة الاستهلاك بانخفاض التزايد السكاني، وكذلك نقص اليد العاملة الشبابية مما يشكله هذين العنصرين من ركيزة أساسية للدفع بأي اقتصاد في أي دولة.
إلى جانب هذا العوامل تعتبر القارة الأفريقية من القارات ذات الضعف والنقص الكبيرين في التنمية البشرية والخدمات الأساسية، وما يعنيه توفر هذين العنصرين، في ارتفاع وتيرة المردودية والإنتاج الاقتصادي المجتمعي، كما أن هذا النقص يفتح أفاقا واسعة لشركات الاستثمار المحلية والأجنبية، وهو ما ليس متوفرا بالحجم ذاته في القارات الاخرى.
لكن يبقى السؤال الكبير المطروح الآن، هو ماذا يمكن أن يفهم من هذا التنافس الشديد حول القارة الأفريقية؟.
أول شيء يمكن أن نفهمه هو أن زمن شن الحروب والدفع إلى الانقلابات العسكرية من اجل الحصول على مكاسب اقتصادية أو حتى صفقات تفضيلية، لم يعد يؤتي أكله دائما، بل بالعكس قد يأتي بنتائج عكسية وانتقامية في أحيان عديدة، والدليل على ذلك أن فرنسا رغم تدخلها العسكري في بلدان سعت إلى التحرر الاقتصادي من قبضتها إلا أن ذلك لم يحل دون دخول منافسين لها ، بل بالعكس من ذلك اثر ذلك بشكل سلبي على النفوذ الفرنسي في العديد من الدول وهو ما نتج عنه دخول الدول الأخرى حتى الصغيرة الحجم منها على الخط وظفرها بصفقات اقتصادية مهمة، كما هو الشأن بالنسبة للمغرب واستثماراته جنوب الصحراء وغرب أفريقيا، وجنوب أفريقيا في شرق وجنوب القارة، أو حتى بالنسبة للصين واستثماراتها في المنطقة ذاتها والتي على اثر ذلك أزاحت الشركات الفرنسية من الريادة والأولوية في الحصول على الصفقات، وهو الشيء الذي تفطنت له فرنسا لكن بعد فوات الأوان وهو ما تحاول الآن معالجته بطرق أخرى.
ثاني شيء في هذا الصدد هو أن شعارات الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان كشرط للدعم الاقتصادي وفتح الباب للاستثمار الغربي لم تعد هي الاخرى تؤتي أكلها، مادامت قوى منافسة أخرى لا تشترط بالضرورة ذلك، بل الأكثر من هذا استفادت هذه الدول من هذا الوضع كثيرا، والذي ربما لولاه لما أتيحت لها الفرصة للحصول على صفقات ضخمة من أنظمة فاسدة و دون المرور بالضرورة بالإجراءات العادية، وهو الشيء الحاصل مثلا مع الصين التي حصلت على صفقات خاصة في تطوير حقول الغاز والبترول و اليورانيوم في دول ومناطق مختلفة معظمها محكومة بأنظمة عسكرية، وهو ما أرغم أيضا الشركات الغربية إلى الضغط على حكوماتها لتليين سياساتها ومواقفها نحو هذه الأنظمة، وأن تتغاضى عن الكثير من الانتهاكات والتجاوزات مادامت المصلحة الاقتصادية تملي ذلك، بل أكثر من ذلك اعتمدت هذه السياسة كوسيلة ابتزاز جديدة للدول (صفقات جديدة = تغاضي أكثر)، وهي صيغة مرضية للطرفين رغم أنها بطبيعة الحال مضرة بالشعوب.
الشيء الثالث في هذا الجانب هو أن زمن التقسيم واحتكار الصفقات على أساس -الدور التاريخي- خاصة خلال مرحلة الاستعمار قد ولى أيضا، فالشعوب الأفريقية أضحت تعي شيئا فشيء أنها لم تعد محميات أو أملاك مكتوبة على اسم دول بعينها، وبالتالي فهي ترغب بالتحرر من قبضة الاستعمار الاقتصادي الذي لا يزال يلف أعناقها، ولذلك نجد تراجع القوى التقليدية مقابل صعود قوى جديدة ، وهو ما يشكل تحولا نوعيا، سيؤثر بالتأكيد وبشكل جذري على مستقبل القارة وسيسمح لها بهامش اكبر للمناورة يخلصها إلى الأبد من لعنة التبعية الاقتصادية التي ظلت تلازم الكثير من دوله وشعوبها.
