هجوم ليس إرهابي.
ابراهيم حياني التزروتي
الضحايا فاقوا العشرين، والهجوم تم بأسلحة نارية، و ضد مدنيين في فضاء عام، و من قبل ثلاث أشخاص (مجهولين)، وينتظرون هوية المنفذين لكي يحددوا هل الهجوم "إرهابي"؟، أو هو عمل إجرامي فردي؟ ، فإذا كان المنفذين يحملون أسماء عربية فهو كذلك طبعا، وان كانوا غير ذلك، فالصحافة ستقول عنهم في الغالب إنهم يا إما مرضى نفسانيين (مع الحرص على جلب نسخ من ملفهم الطبي، وطبيبهم الشخصي إذا اقتضى الحال ذلك)، أو يقال أنهم أشخاص يعانون مشاكل اجتماعية، أي بدافع اجتماعي، أو أن الهجوم كان تصفية حسابات شخصية لا غير...، المهم إحدى التخريجات المعهودة كما دائما، ويغلق الملف في يومه وساعته، على أمل انتظار هجوم بلمسة "عربية" أو "إسلامية" ليتسنى لكبريات قنواتهم ما تحلل وما تستنتج و تنظر...
حينما نقول أن صفة الإرهابي في الإعلام الغربي لا تجوز إلا مع الاسم العربي أو المسلم، يعتبر البعض ذلك تذرعا لتبرير العمليات وتشجيعا على الإرهاب، وعندما نرى ذلك في أرض الواقع، تجد أن الجميع يبلع لسانه، أوتراه هو الآخر يبحث معهم على مبررات ومخرجات للحيلولة دون إلصاق صفة "العمل الإرهابي" به، والتي هي بمثابة ماركة مسجلة وبحقوق محفوظة باسم العربي والمسلم فقط دون غيره.
ففي حالة إذا ما تم التأكد أن الشخص من قام بالهجوم، هو من تربة ونسل غربي أبا عن جد، فشعره الأشقر وبشرته البيضاء الناصعة توحيان بذلك... حينها فلن تجد لا من يغير بروفايله من على الفايس بوك، ولا من يخرج في مظاهرة للتنديد، ولا حتى من يوقد شمعة كتعبير رمزي عن الحزن والتضامن...لأنه مادام بالصفات المذكورة ، فمن المؤكد أن القنوات ستخرج بروايات من قبيل، يا إما يعاني من مشاكل نفسية أو اجتماعية، أو شيء من هذا القبيل... أو تصل الوقاحة حتى لحد تبريره بأنه كان يدافع عن نفسه أو عن وطنه أمريكا ...المهم انه ليس إرهابي ولا يجب أن يقال عنه ذلك.
فليس القتل إذا هو من يحدد صفة الهجوم إن كان إرهابي من عدمه، ولا حتى عدد القتلى، أو حتى أداة الجريمة التي نفذ بها، لكن هوية القاتل هي البرهان والدليل القاطع الذي يعطي الضوء الأخضر للإعلام والمجتمع لنفت سمومه العنصرية والكراهية ضد العرب والأجانب، كما يحصل في العادة خلال كل عملية أو هجوم يحملونه صفة الإرهابي، فحتى لو يكن المنفذ من دولة عربية مسلمة حتى أن يكون مسيحي أو بهائي أو لا ديني أو حتى ملحد، لا يهم فاسمه العربي وملامحه الشرقية تفي بغرض إلصاق التهمة.
البعض طبعا سيقول إن الخلفية الدينية للجناة هي من تحدد ذلك في العادة ذلك، وأنه فقط نسعى كما دائما لتكرار نفس ذلك الخطاب من المظلومية والتآمر من الآخر...، لأن أمريكا ودستور أمريكا وحكومة أمريكا..لا تفرق بين الأشخاص على أساس الدين أو العرق أو أي تمييز كيفما كان نوعه، لأن الجميع سواسية بحكم القانون...وليس الاسم أو الدين الذي ينتمون إليه...كما ندعي.
لكن الحقيقة بينت ولا تزال تبين لنا أن ذلك غير صحيح، ليس فقط في أمريكا ولكن في معظم البلدان الغربية، أو في معظم إعلامها على الأقل، لأن العديد من عمليات الطلق الناري أو التفجير وقعت في بلدان غربية عديدة، بدوافع دينية مسيحية بالخصوص، ولم تلصق لها صفة الإرهابي، بل إن الإعلام يتحاشى في الغالب الحديث عن تلك الخلفية، ويتجاهلها في معظم تحليلاته، على الرغم من حرص المنفذين أنفسهم على إظهارها والتباهي بها، كما حدث مثلا في النرويج قبل اقل من ثلاث سنوات.
ويسعى مقابل ذلك للبحث عن ذرائع أخرى تكف عنهم ذلك الحرج و لا تفضح نفاقهم وتعدد أوجههم، فتارة يبحثون في ملفه الطبي، وتارة أخرى تجدهم يبحثون عن مشاكله العائلية أو أي شيء مما يمكنهم أن يخفوا عنه ذلك الدافع الحقيقي وراء الجريمة.
لكن المثير انه ليس الإعلام الغربي فقط هو من يسعى لذلك، بل إن إعلام من هو معنيين بالأمر وبالتهمة نفسهم، يسيرون على المنوال ذاته، أي كبرى القنوات في المنطقة العربية، ولسنا ندري إذا لم تكن هذه هي فرصتهم لكي يكشفوا ذلك النفاق وتعدد الأوجه لدى الإعلام والرأي العام الغربي على الأقل في جزئه الأكبر، ويصححوا تلك الصورة النمطية المغلوطة المشوهة؟، فمتى إذا يكون لها ذلك؟، اللهم إلا إذا كانت هي الاخرى متواطئة وحريصة على الإبقاء على تلك الصورة التي تجعل العمل الإجرامي يتخذ صفة الإرهابي" عندما يكون الطرف العربي هو المنفذ فقط.
ببساطة مادمنا نعيش في عالم نشكل فيه نحن الطرف الأضعف، فإن الأمور ستبقى على ما هي عليه، ومادامت الشعوب في المنطقة تحكم بالحديد والدم، فإن صفة الإرهابي ستبقى لصيقة بالمواطن، ومادامت لا توجد هناك نهضة ثقافية وفكرية، يكون أساسها أنظمة ديموقراطية تدع لتقرير الشعوب في المنطقة لمصيرها السياسي، وتختار الحاكم الذي تريد والنظام السياسي الذي يناسبها...فلن يتسنى لها الدفاع عن نفسها، ولا كف التهمة عنها.
ومادمنا نحن الحلقة الأضعف في الصراع، فإن ثقافتنا وفكرنا وديننا سيبقى دون تأثير، بل إن الآخر سيسعى إلى إحلال ثقافته بثقافتنا "البالية"، فالعربي والمسلم مادام غير مستعد، و لا يستطيع العيش أو أن يتنازل عن ثقافته وجذوره الدينية التي تشكل عمود فقر ثقافته، على الرغم من أنه ابن البلد وعاش وترعرع فيه ويحمل جنسيته ، وتنمى في كنف ثقافته ونمطه الاجتماعي (بما يحمله من كل مغريات)، فإنه سيظل يحارب ويحارب حتى يبدلها بثقافة الغربي،وستظل تهمة الإرهابي باقية وتتمدد ولصيقة به وحده دون غيره.
