معا لجة التطرف ضمن البعد الإستراتيجي للإعلام الأمني والديني .
الطيب لزعر
تمثل ظاهرة التطرف أهم الإشكالات الإعلامية التي تواجه الدول والمجتمعات في عصرنا الحديث، إذ تقف حجر عثرة أمام الأجهزة الأمنية، حيث صارت جزءا من مهامها اليومية، فلا يكاد يمر يوم دون أن تقع عملية إرهابية بمكان ما من العالم. وقد زاد من تأثير تلك الظاهرة السرعة التي تتناول بها وسائل الإعلام لمثل هذه النوعية من الجرائم بالنظر لما تحتويه أخبارها من عوامل جذب وإثارة لمواقف فئات المجتمع المختلفة.
و جرائم التطرف التي ترتكب ضد البشرية في كل شبر من العالم لا تستثني الشرق ولا الغرب، الشمال ولا الجنوب الديني وغير الديني، مخلفة العديد من الضحايا في الأرواح البريئة. لذا فالتطرف ظاهرة كما يقول المحللون الإعلاميون عنها لا وطن ولا دين له ولا تأشيرة له فهو بذلك عابر للقارات والحدود دون إذن .
وتجدر الإشارة إلى أن التطرف والإرهاب حلقتان متصلتان الأول يزكي الثاني، يسعى كل منهما إلى زعزعة أمن واستقرار البلدان بضرب مختلف جوانب الحياة باستغلاله للعالم الأزرق الذي لا حدود لعوالمه المختلفة.
إن الإرهاب لا يهتم بعدد الضحايا بل يسعى إلى أن يسمع الناس ويعلمون عنه، وهذه المبدأ يعد المرجع الأساس للحركات الإرهابية في علاقتها بوسائل الإعلام المختلفة، السمعية البصرية والإذاعية إضافة إلى الشبكة العنكبوتية.
وبغية إبراز الجانب الإعلامي وبعده الإستراتيجي في معالجة التطرف، يمكن القول إن المعالجة الإعلامية ما تزال خجولة أمام هول الأحداث الإرهابية، فقد سيطر في عصرنا الحاضر هاجس الخوف من الإرهاب المنطوي تحت عباءة الدين وإن شئنا الدقة، الإرهاب الصادر عن المنتمين لحركات التطرف الديني بالعالم العربي والإسلامي، ناهيك عن التطرف الفكري والسياسي الديني بالعالم الغربي.
والمغرب كغيره من دول العالم إصطدم بالإرهاب منذ أحداث 16 ماي 2003م،وتفجيرات أركانة وعمليات أخرى تلتها هذفت إلى زعزعة استقرار المملكة، لولا رجالات المكتب المركزي للأبحاث القضائية التي فككت العديد من الخلايا الإرهابية بالمغرب وما تزال، والدور الرائد لهاته المؤسسة الحديثة العهد بتنسيقها الدائم مع المؤسسات الأمنية الأخرى في الحقل الأمني. لذا عمل المغرب بكل جهد على التصدي لمثل هذه الظواهر التي تعمل على خلخلة النظام العام وسلامة المواطن منتهجا آلية الضربات الإستباقية في ظل آلية «حذر» لتفكيك الخلايا المتطرفة. وما يشهده المغرب مؤخرا لخير دليل على نباهة الأجهزة الأمنية وفعاليتها زيادة على دور المواطن في حماية بلده من مثل هذه الجرائم الخطيرة. جاء هذا باعتراف دول أوربا وأمريكا للدور المغربي في هكذا مجال مما حدا بهاته الدول بالتعاون والتنسيق وطلب العون من المغرب في مكافحة الإرهاب.
إن موضوع الإعلام وبعده الإستراتيجي لمعالجة الجماعات المتطرفة من مواضيع الساعة، فكل الإعلام يناقش ويحلل التطرف والعمليات الإرهابية، التي تضرب جميع بلدان العالم بلا تمييز في الأهداف والأشخاص، وهو موضوع له من الأهمية بمكان في الأوساط الإعلامية والأمنية والجيوستراتيجية.
بالرغم من المآسي التي عانتها البشرية جراء الحروب التقليدية إلا أن الجريمة الإرهابية لها وقع مختلف على النفس البشرية، ليس بقدر الدماء التي تراق فيها والذي هو وفق كل المعايير أقل مما يراق في عملية عسكرية محدودة. بل هو نوع جديد من الحروب الحديثة حتى ما إذا أراد طرف تدميرك، سيعمل على ضربك في عقر دارك بأقل الأضرار والتكاليف، فهي حرب بلا قواعد ولا أخلاق.
أما إشكالية اهتمام وتتبع الإعلاميين ورجال الأمن في ارتباطهم بالإعلام الأمني وكذا مراكز الدراسات الإعلامية والإستراتيجية والقضائية المعنية بدراسة الإعلام والإرهاب، بحيث أن للإعلام أهمية قصوى ناتجة عن لعبه لأدوار إستراتيجية في تتبع الجماعات المتطرفة وهذا ما يتضح من خلال انخراط المغرب في المنظمة الدولية لمكافحة الإرهاب وما توفره من وسائل رئيسية لذلك. لاسيما من خلال الإعلام الديني ودور الهيآت الدينية كالمجلس العلمى الاعلى ومؤسسة العلماء، تماشيا مع إبراز أدوارها وتقربها من الواقع ومن المواطن بتلمسها جوانب الحياة المختلفة في فتاواها.زيادة على ذلك ما يقوم به أمير المؤمنين من أدوار مهمة لإبراز التسامح الديني والبعد الرئيسي لهاته المؤسسات .
أما إذا ناقشنا التطرف والإرهاب من خلال ما هو ديني وأمني في تحليلنا لمخاطر هذا الأخير. فسنجدها تطرح الإعلام الأمني والإعلام الديني والتنسيق والتعاون عربيا وإسلاميا وغربيا، وربط العلاقة بين الإعلام والمؤسسات الأمنية، من أجل تحقيق الأمن الإجتماعي والأمن الإعلامي والديني وإعطاء الحلول إعلاميا في شكل برامج إعلامية تصحيحية ،دينية أمنية توعوية بمخاطر الإرهاب والتطرف، والعمل على تحقيق الأمن الروحي للمواطن في إطار الحفاظ على الأمن الداخلي، كمسؤولية كل المتدخلين .
ويجب على الإعلام الأمني والديني في علاقتهما بحياة الشعوب أن يهدفا إلى :
تأصيل الإنتماء الوطني وتعزيز المواطنة والممارسة الديمقراطية في إطار السياسة العامة للدولة، والتبصير بجم المخاطر التي تطرحها تحديات المواجهة ضد عناصر الإرهاب والجريمة المنظمة مع التأكيد على ضرورة تعاون المواطن مع مؤسساته الأمنية والإعلامية وتطوير التلاحم لحماية الحياة المشتركة.
تحقيق الأمن الإعلامي بمعنى انسياب وتدفق المعلومات الصحيحة للمواطنين وأجهزة الإعلام عبر قنوات شرعية مسؤولة بما يكفل قطع الطريق على أية معالجة مغرضة أو تأويلات لا تحتملها الظروف الدقيقة محليا إقليميا ودوليا.
فمتطلبات النجاح في هذا الموضوع تتوقف على تحديد الأولويات ،وتحديد تأثيراتها الإيجابية أو السلبية على المجتمع.ثم المبادرة فليس لنا أن ننتظر حتى تتفاقم الظواهر وتصل إلى حد المشكلة الأزمة فالمواجهة قبل الدفاع. وهذا ما يتطلب توفر الاعلام على معلومات عن القضايا المتعلقة بالأمن والإرهاب مع القدرة على تحليل هذه المعلومات إعلاميا واستخلاص النتائج واقتراح الحلول الموضوعية لهاته الأزمات. وعلى الإعلام أن يتعاطى مع قضايا الإرهاب والتطرف بشكل موضوعي حيادي على عكس ما تقوم به بعض وسائل الإعلام ووكالات الإعلام الموجهة لخدمة أجندة معينة داخل الساحة الإعلامية؟.
وعلى الدولة ضبط وتأطيرشأنها الإعلامي الديني بجعله ألا يخرج عن المسموح به من الأمور وتوجيه الباحثين إلى أن يحدثوا مراكز دراسات خاصة بقضايا التطرف والإرهاب، وإيجاد الحلول البديلة في هذا المستوى. ومن أجل ذلك يحتاج الإعلام الحديث بكل فروعه وتجلياته، تسطير إستراتيجية إعلامية واضحة المعالم فيما يخص مكافحة التطرف والإرهاب، إستراتيجية متوسطة المدى وبعيدة المدى موضوعية وعقلانية لإيجاد الحلول، ووضع برامج تحليلية توضح عوامل التطرف وجذوره السياسية والإقتصادية والإجتماعية والفكرية. كما يجب على الإعلام أن يبقى محايدا ومسؤولا وملتزما في نقل الحقائق والأخبار وتحليلها بواقعية ومسؤولية.
وأخيرا ، فإن الدولة بمؤسساتها الإعلامية والأمنية ومراكز الدراسات الإعلامية والقضائية والإستراتيجية، مطالبة بالتعاون والتنسيق وربط الشراكات إقليميا ودوليا، وكذا تخريج المبادرات التنموية بغية تقليص توافد الشباب على التنظيمات المتطرفة بالمنطقة، والتفكير في إيجاد فرص عمل وسبل العيش الكريم، ومحاربة أفكار الحقد والكراهية تجاه الأجناس الأخرى ، وربط صلات التسامح واحترام الآخر كما ينص عليها ديننا الإسلامي ، إذ أن هاته المؤسسات تتحمل جزءا من المسؤولية في الخروج بالمجتمع إلى بر الأمان ، والمراهنة على الإعلام في السلم والإصلاح والمعالجة وتنوير المجتمع، لا وسيلة تخريب وإشعال نار الفتنة. هذا ما يجب أن يفقهه صناع القرار بهاته المؤسسات الحيوية وأن يعملوا به للخروج من أزمة التشدد والتطرف.
