التطور التشريعي للامركزية بالمغرب ورهان خدمة مستقبل الشعب المغربي؟

التطور التشريعي للامركزية بالمغرب ورهان خدمة مستقبل الشعب المغربي؟

الحسين بوخرطة

 

ونحن على وشك تجاوز المنتصف الثاني من العشرية الثانية من القرن الواحد والعشرين، وباستحضار ما ميز تطورات التاريخ البشري السريعة منذ بداية التسعينات، لا يمكن للمتتبع للتطور المؤسساتي والتشريعي بالمغرب أن لا يشيد بالتفاعل المستمر الذي ميز العلاقة ما بين القوى السياسية والدولة منذ الاستقلال، وأن لا يقر بالتراكمات والمكتسبات التشريعية في مجال اللامركزية. إن المغاربة اليوم، بعد الانتخابات الترابية الأخيرة، التي نظمت على إثر المصادقة على قانون تنظيمي جديد في مجال اللامركزية الترابية، يعيشون بداية وضعية تشريعية متقدمة في مجال تدبير الشؤون الترابية. فبالرغم من استمرار تواجد عدة عثرات التي تعيق تطوير آلية إنتاج النخب، فإن ما تحقق إلى اليوم لا يمكن له إلا أن يزيد في الشعور بالتفاؤل في شأن مصير ترابط التطور التشريعي والمؤسساتي من جهة ومصلحة الشعب المغربي من جهة أخرى. في اعتقادنا، الإشكالية المطروحة اليوم على كل القوى السياسية والمجتمعية، يمكن تلخيصها في السؤال التالي: هل ما أنتجته انتخابات 4 شتنبر 2015 ستؤسس لخلق القطيعة مع منطق تغليب المصالح المرتبطة بالمنافسة السياسية والذاتية على مصلحة الشعب المغربي ومستقبله؟، وهل في مقدور الدولة في الشهور القادمة خلق الآليات الضرورية التي ستمكن النخبة، التي تشكلت في إطار التطور التشريعي والمؤسساتي السالف الذكر، من الانخراط في منطق تنموي جديد لا صلة له بما يتداول في الشارع العام من قبيل نعت الانتخابات مجرد آلية لخدمة المصالح الشخصية؟. وعندما تتم الإشارة إلى دور الدولة في هذا المجال، نعني بذلك ما ينتظره الشعب المغربي من تشريع متكامل ودقيق في مجال اللاتمركز الإداري، تشريع ينتظر منه أن يتوج مسار التجديد التشريعي بتأسيس مسار جديد في مجال التنسيق والتكامل والتضامن الترابي والمراقبة التدبيرية والمالية في أفق جعل المغاربة على موعد قريب للتمتع أكثر بمردودية تطور منطق فعل الدولة بصفة خاصة، وبخيرات بلادهم بصفة عامة. 

إن التحول البارز في الهرم المؤسساتي المغربي يتجلى في تحويل تدبير شؤون تراب العمالة أو الإقليم إلى المجالس المنتخبة بعدما كان الآمر بالصرف هو العامل أو الوالي في هذا المستوى الترابي. إنه تحويل جاء في إطار منطق جديد للتشريع في مجال اللامركزية، الهدف منه تقوية الروابط ما بين المستويات الترابية في مجال التنمية بأبعادها المختلفة. ولنا اليقين، أن هذا المشروع سيبقى، كما أشرت إلى ذلك أعلاه، ناقصا ما لم تتوفر الدولة على نظام محكم في مجال اللاتمركز الإداري. فالعامل أو الوالي، كممثل للدولة، هو المؤسسة المحورية في مجال السهر الدائم والمستمر على إعداد البرامج التنموية وتنفيذها في سياق يضبط العلاقة ما بين الهيئات المنتخبة وممثلي الوزارات والمؤسسات المركزية، ضبط يكون أساسه تطبيق البرامج والتوجيهات الحكومية في جو من التعاون والتضامن والتآزر والتكامل. إن تتويج مسار اللامركزية، الذي ابتدأ منذ 1976، بنقل هذا الحجم من اختصاصات الدولة إلى ممثلي الشعب ترابيا، يجب أن يدعم اليوم بنقل جزء كبير من اختصاصات الوزارات والمؤسسات المركزية بالموارد الضرورية لتنفيذها إلى ممثليهم الترابيين (المنتدبون على رأس المندوبيات والمديريات الإقليمية والجهوية).

وللوقوف جليا على التطورات الجديدة السالفة الذكر، ارتأيت التركيز بإيجاز على بعض الأدوار الجديدة للمجالس الإقليمية التي أصبح رؤساءها ينعمون بسلطة "الآمرين" بالصرف. لقد حسم القانون التنظيمي رقم 112.14 في مسألة الازدواجية في طبيعة هاته المجالس بتفويتها إلى إطار اللامركزية الصرفة بحيث تم التنصيص على ضرورة نقل اختصاص الدولة إلى العمالة أو الإقليم مصحوب بتحويل الموارد اللازمة التي ستمكنها من ممارسة مهامها في إطاره الديمقراطي. فبالإضافة إلى النقلة النوعية في مجال التصويت على رئاسة ومكتب مجالس هذا المستوى الترابي لضمان تناغم الفريق المسير لها (اعتماد التصويت العلني وفي جلسة واحدة)، ركز القانون الجديد على تعزيز التعاون والتفاوض والتشاور والتكامل ما بين الجماعات الترابية وتوسيع المشاركة الشعبية. فإلى جانب الحرص على تحقيق هذه الأهداف الجديدة ما بين العمالة أو الإقليم والجماعات الموجودة بترابها، فإن المشرع فتح المجال واسعا أمام الهيئات المنتخبة لتأسيس "مجموعة الجماعات الترابية" لإنجاز الأعمال المشتركة أو التدبير المشترك للمرافق ذات الفائدة العامة. تماشيا مع نفس المنطق، ركز المشرع على تعزيز وتوسيع المشاركة السياسية الشعبية من خلال فتح المجال كذلك للمواطنات والمواطنين والجمعيات بتقديم العرائض.

ولكي لا نطيل علي القارئ، على أن نعود إلى تناول مواضيع أخرى في نفس المجال بشكل مفصل، نكتفي بالإشارة أن الهدف الأسمى من هذا التطور التشريعي في إطار اللامركزية لا يمكن أن يكون إلا تعزيز وتقوية العلاقة ما بين المكونات الثلاث الأساسية للأمة المغربية : الدولة، الهيئات المنتخبة والشعب المغربي. فالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري لمجالس العمالات والأقاليم قد تم تعزيزهما ليس لغاية قد تكون بعيدة عن رهان تسريع تنمية تراب المجتمعات المحلية في إطار الوحدة الترابية. ونحن نعيش هذا التطور التشريعي، لا يمكن لأحد من المغاربة أن يستسيغ مثلا الاستمرار في استغلال شرط موافقة مجالس الجماعات الترابية المعنية في إقرار المشاريع التنموية المشتركة (في إطار التعاون) كآلية للحفاظ أو تحقيق مصالح ذاتية تحت خطاء ما يسمى بالمنافسة السياسية. وفي هذا الشأن، لا يمكن أن يتناسى أحد منا أن كل ما ستقوم به العمالة أو الإقليم من اختصاصات ذاتية ومشتركة ومنقولة يجب أن يراعي لسياسات واستراتيجيات الدولة. وعندما أشرنا فيما سبق إلى ضرورة الإسراع بإخراج قانون اللاتمركز الإداري إلى الوجود، لم نقم بذلك إلا من أجل التذكير بما جاء في نفس القانون التنظيمي، القانون الذي أكد على ضرورة تحقيق تنمية مستدامة، ووفق منهج تشاركي، وبتنسيق مع عامل العمالة أو الإقليم بصفته مكلفا بالمراقبة وبتنسيق أنشطة المصالح اللاممركزة. إن الهدف من تركيز هذا القانون على بلورة المخططات التنموية الترابية لا يمكن أن يكون أساسه إلا ترشيد النفقات وتحقيق التكامل في البرامج والاستغلال الناجع للإمكانيات الترابية، وتفادي التكرار، والرفع من الوقع التنموي للمال العمومي، وبالتالي إعطاء مدلول حقيقي لسياسة إعداد التراب الوطني. بالقانون التنظيمي الجديد، لا يمكن الحديث عن أي ضغوطات سياسية قد تمارس على العامل أو الوالي من قبيل ضرورة تصويت أعضاء المجلس الإقليمي على مشروع الميزانية والحساب الإداري. لقد أصبح للمجلس رئيسا منتخبا وآمرا بالصرف، ودعمت سلطته التداولية بسلطة التنفيذ، أي بالتكلف المباشر على البرامج التنموية وتمويلها.

 

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة