الاتحاد المغاربي : من الأقوال إلى ... الأفعال !!

الاتحاد المغاربي : من الأقوال إلى ... الأفعال !!

 

 

 الصادق بنعلال 

1 -  تعيش الساحة المغاربية حاليا على وقع تحركات رسمية عليا و اجتماعات "رفيعة المستوى" بمناسبة حلول الذكرى ال23 لتاسيس المغرب العربي . و هكذا قام الرئيس التونسي منصف المروقي بجولة حول عواصم دول المغرب العربي بهدف إعادة الروح لهذا الكيان السياسي الإقليمي ، فاقد الفاعلية و القدرة على الإنجاز الميداني ، و تحيين تطلعات شعوب المنطقة إلى العيش الكريم .. لا بل إن زعماء "الاتحاد" المعني بالأمر قد أعلنوا و بكلام عربي مبين عن " نواياهم الطيبة" حول الضرورة القصوى لتفعيل الهياكل و المؤسسات والاتفاقيات  التي لفها الغبار لفا ، فهاهو رئيس الجمهورية الجزائرية عبد العزيز بوتفليقة عينه ، و بعد سنين عددا من اللامبالاة و المداراة ، يقول في برقية تهنئة إلى العاهل المغربي محمد السادس ، بمناسبة ذكرى الاتحاد "الغالية" : (إن تحقيق وحدة المغرب العربي في عصر التكتلات الجهوية و الدولية ، ضرورة حيوية و ملحة لتمكين شعوبنا الشقيقة من مواجهة التحديات ضمن تجمع مرصوص البناء و موحد الكلمة) ، إلى جانب الكم الهائل من المقالات الصحفية في أشهر الجرائد الإقليمية و الدولية ، التي تكاد تجمع على أن ساعة الحقيقة قد دقت ، و حانت "اللحظة التاريخية" المغاربية لبناء "غد مشرق" ! فتحيى الأرض بعد موتها و يعم الرخاء الأرجاء ، و تمتلئ القلوب سعادة و هناء !

2 -  و ما من شك في أن هذه الديناميكية المفاجئة التي وسمت راهن المغرب العربي جاءت نتيجة التحولات الدولية و الإقليمية و الربيع العربي ، الذي أصاب النظام السياسي العربي التقليدي في مقتل و أسقط "رؤوسا قد أينعت" ، و أدى  إلى تغييرات نوعية في سدة الحكم ؛ وصول الإسلاميين في تونس و مصر و ليبيا و المغرب إلى السلطة .. عبر استشارات شعبية  سليمة و حرة ، بعد تكسير جدار الخوف و نزول الشعوب العربية و الشاب على وجه الخصوص إلى الشوارع و الميادين العامة ، مطالبين بإسقاط الفساد و المفسدين و دحر الاستبداد و المستبدين . و لا يسع المتتبع المحايد و المهتم بقضايا الإقليم إلا أن يبارك هكذا خطوات تنزع نحو البناء و الوحدة و التضامن .  إن يقيننا راسخ في النوايا الطيبة التي حدت بالرئيس التونسي منصف المرزوقي إلى تعليق الجرس و المطالبة بإحياء الانحاد المغاربي خدمة للشعوب الثائرة التي أمضت عقودا من السنوات تئن تحت وطأة الاستبداد الذي هو أصل لكل فساد حسب تعبير عبد الرحمن الكواكبي . بيد أن النوايا مهما علا شأنها تبقى مجرد آمال و أحلام إن لم تجد مناخا صحيا و ظروفا ملائمة و مشجعة ، فمنذ نشأة الاتحاد المغاربي سنة 1989 و أصحاب "المعالي و السيادة و الفخامة "يتلون على مسامعنا صفحات من جميل القول و أعذبه ،ويتبارون في نظم "قصائد" حول فوائد الوحدة و التكتلات الجهوية و التكامل الاقتصادي.. و بعد انتهاء حفل القبلات و الابتسامات الاستعراضية "تعود حليمة إلى عادتها القديمة" : عادة المكائد و المؤامرات !

3 -  يصدر كاتب هذه السطور عن قناعة سياسية مفادها أن اتحاد المغرب العربي يمكن أن يصبح من أكثر الاتحادات العالمية تأثيرا و أهمية ،و يحول المنطقة إلى أوراش استراتيجية من شأنها أن تحدث طفرة تنموية بحصر المعنى ، خاصة و أن دول المنطقة متكاملة اقتصاديا و حضاريا و دينيا و جغرافيا .. شريطة الانطلاق من ورقة طريق محددة و ملزمة ، تتضمن من جملة ما تتضمن التنصيص على احترام الثوابت المطلقة لكل قطر على حدة و على رأسها الوحدة الترابية ، و التوقف المطلق عن المسلكيات الإعلامية العدائية ، و عدم التدخل في الشؤون الداخلية لدول الاتحاد . و معلوم أن السحابة الدكناء التي ظلت تعكر صفو المنطقة هي مساندة الجزائر غير الأخلاقية للانفصاليين المغاربة .و مهم أن يصرح المسؤولون الجزائريون أخيرا أن مشكل الصحراء المغربية كان و سيبقى بيد مجلس الأمن ، و الأهم من ذلك أن يترجموا أقوالهم إلى أفعال و يتخلوا ، عن ازدواجية الخطاب ! لقد أدرك الصحراويون المغاربة الصادقون داخل المملكة أو في مخيمات تندوف أن عدوهم الذي حكم عليهم بالإعدام هو "زعيمهم" الخالد و طغمته العسكرية الفاسدة المستبدة! فلنترك قضية الصحراء بيد المنتظم الدولي و لنتوجه إلى خدمة الملايين من المغاربيين عبر إصلاحات سياسية تستند إلى القيم الديمقراطية الكونية من حرية و عدالة و كرامة .. و فتح الحدود و بناء الطرق و مد السكك الحديدية و إنشاء أسواق حرة و مراجعة الاتفاقيات المتقادمة ، و اقتراح بدائل للحكامة الرشيدة و تبادل الخبرات في كل ما من شأنه أن يعود بالخير على الجميع و عبر جميع الأصعدة ، فالمنطقة مليئة بالموارد الطبيعية و البشرية و أصحاب الكفاءات ؛ القادرة على إحداث ثورة كوبرنيكية في مجال  التنمية الإنسانية .. و على قدر أهل العزم تأتي العزائم!

 باحث في قضايا الفكر و السياسة

[email protected]

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة