هاجس المؤامرة
مولاي محمد سراج الدين
إن المتتبع للشأن السياسي بالمغرب وخاصة اذا نظرنا إلى نوعية الخطاب السائد في الأوساط السياسية المغربية والصادر عن الأحزاب السياسية سيكتشف لا محالة تعدده واختلافه بتعدد غاياته واهدافه وموضوعاته ، وهذا يعود بالأساس إلى طبيعة المرجعية التي يستند إليها والأسس التي ينبني عليها .
إن هاته السطور لا تستهدف تحليل الخطابات السياسية بقدر ما ستركز على ابداء ملاحظات حول الخطاب السائد في هذه المرحلة من طرف أنصار وأعضاء العدالة والتنمية تزامنا مع الأحداث التي تشهدها الساحة الوطنية والتي أدت إلى التساؤل عن مشروعية القرارات الصادرة عن حكومة المصباح التي يترأسها حزب العدالة والتنمية ، قرارات في مجملها يدعي أصحابها أنها الحل الوحيد لحل أزمة قد تعصف بالمغرب وباستقراره وتميزه في المنطقة وتدخله في خانة الدول التي تعيش وضعية ا لوفوضى والصراعات والقلاقل والتناحرات بين مختلف الطوائف .
لكن ما يثير الانتباه دائما تلك الصبغة التي يتم إضفاؤها على هاته القرارات والتي تكتسي طابع القدسية كأنها كتاب منزل من الله لا يجب المساس به وأنها الوسيلة الوحيدة التي بها يهتدي الناس الى الطريق المستقيم وكل ما سواه فهو ظلال مبين وجب عنه التوبة والعودة الى الطريق المستقيم .
هذا الخطاب يمكن ان نجد له تفسيرا مقنعا إذا علمنا أن المرجعية التي استند اليها أعضاء العدالة والتنمية في محاولتهم لبناء مشروع مجتمعي هي بالأساس مرجعية دينية استمدت اسسها من تلك الصراعات التي طبعت تاريخ المسلمين في القرنين الأول والثاني للهجرة وأدت الى طهور أحزاب سياسية كل يبحث له في النصوص الدينية عن ما يبرر له رغبته في تولي الخلافة وممارسة السلطة بكل تجلياتها وأشكالها . ورغم ان حزب العدالة والتنمية حاولالتخلى بشكل معين عن هذه المرجعية والتعامل مع هذه المرحلة بمنطق براغماتي يتماشى مع طبيعتها ( وقد نجح نوعا ما في ذلك )، فخطابهم وتعاملهم مع معارضيهم بقي خاضعا لذلك المنطق التي تأسست عليه هاته المرجعية ما داموا أنهم قد تلقوا مبادئها ولقنوها لأتباعهم وعملوا بها لسنوات قبل خوض غمار التجربة السياسة ، منطق ينبني على السلطة وعلى علاقة الشيخ بالمريد " فالشيخ وسيلة صادقة للتقرب إلى الله، فهو المربي الذي مرّ بالتجربة وخالف النفس وانتصر على الهوى، وهو الملقِّن الذي يُبصِّر المريد، ويلقنه سبيل الرشاد، وينجيه من العوائق والعثرات، حتى يستقيم حاله ويتعرف على الطريق الحق للتوجه إلى الله تعالى، والذي لا شك فيه أن المريد بلا أخ ناصح ولا مرشد صادق، يقع في المتناقضات وينقاد إلى المهلكات دون أن يدري، لأنه لا يعرف ما هو حق وما هو باطل، كما أن الركون إلى هوى النفس والشيطان سهل يسير، أما العمل في مرضاة الله عز وجل فصعب عسير، ومن هنا تتضح ضرورة وجود الشيخ المربي في الطريق، لأن منازل القوم كثيرة، ولا يرشد فيها إلا من سلك وعرف مزالقها، والأخذ عن الشيخ فيه سر الإمداد بالبركة وربط المريد بالوصلة المحمدية، وذلك أشبه بالتيار الكهربائي الذي لا ينتقل إلا بالموصل، فالشيخ هو محرك الطاقة، وهو واجب شرعي باعتباره وسيلة إلى الله تعالى، لدخوله في عموم قوله عز وجل" ، ولا يحق للمريد في هذه الحالة أن يخرج عن طوع الشيخ ما دام أنه الوحيد القادر على إنارة الطرق له .فمن واجبه الطاعة والاخلاص وإلا تعرض لعقاب شديد في الدنيا والاخرة.
كما تميزت هذه المرجعية بحضور قوي لفكر المؤامرة ولهاجسه ، فجميع الأحداث التي تقع في مجتمعنا والتي تتعارض مع ما هو انساني قبل ان تتناقض مع ما هو شرعي ودستوري ( نماذج كثيرة أبرزها ما وقع للطلبة الأساتذة من تعنيف ) نجد ان أغلب أعضاء العدالة والتنمية يحاولون البحث عن مبررات لذلك مستندين بالأساس إلى هاجس المؤامرة إذ أن هناك من يتآمر ضدهم من أجل التغطية على مختلف المكاسب التي ميزت مرحلتهم أو ان الاصلاحات التي باشروا فيها تتعارض مع مصالح من يقومون بالتشويش على عمل الحكومة ولا يرغبون في نجاحها فها هو الشيخ رئيس الحكومة يتحدث عن التماسيح والعفاريت وهاهم أنصاره والمريدين يرددون فكرة المؤامرة لجعل الناس ينقلبون على شيخهم ويحاولون الدفاع عنه بكل ما أوتوه من وسائل سواء كان على حق أوعلى باطل لأن الشيخ دائما ما يكون على صواب . هذه الوضعية تجعلني أستحضر ما وقع في معركة صفين حين تقاتل أنصار علي بن أبي طالب مع أنصار معاوية بن أبي سفيان ، فحين لم يجد العقل السلفي تفسيرا مقنعا لما وقع من صراع وفتنة بين الصحابةوكلهم عدول وفيهم المبشرون بالجنة وتربوا في كنف خاتم النبيئين والمرسلين ألقى اللوم على شخص يهودي كان السبب في كل الفتن التي وقعت للمسلمين وذلك ليبرئ ذمة الصحابة من ما وقع من فتن وصراعات فكان ذلك مؤامرة لزرع الفتنة بين المسلمين ، هذا الشخص حسب زعمهم هوابن السوداء عبد الله بن سبأ الذي نشر أفكاره ووزع دعاته في مختلف الأمصار حتى أفسد الرعية على الخليفة عثمان-رضي الله عنه-و جعلها تثور عليه و تقتله،شخصية تاريخية و حقيقية قائمة،وأن الدور المنسوب إليه في إيجاد وتسيير أحداث الفتنة التي وقعت في فجر الإسلام دور واضح للعيان ، حل سهل وبسيط لتفادي البحث عن المسؤول عن ما وقع للمسلمين .
ورغم مرور قرون كثيرة إلا فكرة اليهودي الذي زرع الفتن ما زالت تتحكم في عقولنا وأذهاننا فما نعيشه اليوم من تخلف واضطرابات كلها تعود إلى مؤامرة يهودية من أعداء الله والذين تطاولو علينا لنعرض عن كتابه تعالى لأنه بالرجوع إليه نستطيع أن نتخلص من كل الآفات والمصائب التي نعيشها .
هاته أفكار وهواجش لم يستطع العقل السلفي التخلص منها وتظهر لنا وإن بأشكال مختلفة وهذا ما ميز خطاب أغلب من ينتسبون إلى حزب العدالة والتنمية رغم وجود قلة قليلة تؤمن بمسؤولية الحكومة في كل ما تقوم به وتدعوا إلى تحملها ومحاسبة كل من سولت له نفسه المساس بحقوق المواطنين.
