سؤال مفتوح إلى البرلمان المغربي
عبد الوهام سمكان
السؤال:
ما مدى دستورية المرسومين 2.15.589 و 2.15.588، وهل إصدارهما في الجريدة الرسمية يعتبر قانونيا، بغض النظر عن تاريخ هذا الإصدار؟
المرتكزات:
1 ـميز الدستور المغربي بين سلطتين (بالإضافة إلى السلطة القضائية): السلطة الأولى تشريعية، وهي وظيفة يختص بها البرلمان (أنظر الباب الرابع من الدستور المغربي، والفصل 70 بالخصوص). أما السلطة الثانية فهي تنفيذية، وتختص بها الحكومة (أنظر الباب الخامس من الدستور المغربي، والفصل 89 بالخصوص).
وانطلاقا مما سبق فإن مهمة تشريع القوانين من اختصاص البرلمان وليس الحكومة، وبهذا فالمرسومان السالف ذكرهما في السؤال أجهزا على حق مكفول دستوريا للبرلمان قبل إجهازهما على حق تاريخي للأساتذة المتدربين، وبالتالي فإن مهمة إسقاطهما تعتبر إلزاما مهمة البرلمان وفق ما يكفله الدستور من مساطر قانونية، قبل وبعد أن تكون مهمة نضالية للأساتذة المتدربين ولعموم الشعب المغربي.
2 ـ يستثني الدستور المغربي أحقية انفراد البرلمان بالوظيفة التشريعية ويسمح للحكومة بممارسة هذه الوظيفة أحيانا، لكنه يقلص طبيعتها التشريعية إلى طبيعة تدبيرية مؤقتة، كما يشترط شروطا بعينها لأجل ذلك:
ـ أ ـ الحصول على الإذن من البرلمان:
حسب الفقرة الثالثة من الفصل 70 من الدستور المغربي، يمكن للحكومة اتخاذ تدابير يختص القانون (البرلمان) عادة باتخاذها، ويكون هذا عن طريق إصدار مرسوم مأذون به من طرف البرلمان وفق ظرف زمني محدود وغاية محددة. وهنا نطرح السؤال: هل أذن البرلمان للحكومة بإصدار المرسومين المقصودين؟
الجواب هو أن البرلمان لم يعط الإذن للحكومة، والدليل هو أن نواب الأمة (في المجلسين معا) لطالما طعنوا في المرسومين بعد خروج الأساتذة المتدربين إلى الشوارع محتجين ضد هذين المرسومين؛ أي: منطقيا، لا يمكن أن يكون البرلمان قد أعطى الإذن لإصدار هذين المرسومين ثم يأتي أعضاءه ليحتجوا، وإلا فإنهم ينافقون ويخدعون الرأي العام ومن صوتوا عليهم. أما من جهة ثانية، هل كانت الحكومة لتبحث عن حجج من قبيل مفهوم "الجودة" بغاية الرد على طعن النواب في المرسومين؟ ألم يكن يكفيها الرد بالقول إن البرلمان هو من أعطاها حق إصدار المرسومين، وعليه فلا أحقية للنواب بالمطالبة بإلغاء المرسومين؟
يمكن لمن يريد تمويه القارئ (الشعب عامة والأساتذة المتدربون خاصة) أن يحتج قائلا بأن الفصل 70 لا يحدد المعني بإعطاء الإذن للحكومة في البرلمان، وسيكون دليله أنه جاء في هذا الفصل بالحرف ما يلي "للقانون أن يأذن للحكومة.." ولم يجئ فيه بشكل صريح "للبرلمان أن يأذن للحكومة.."؛ غير أني أرد على صاحب هذا التمويه بمجموعة من الحجج الدامغة:
ـ أولا: الفصل 70 جزء من الباب الرابع وهو معنون بـ "السلطة التشريعية/ تنظيم البرلمان"، وبالتالي فهو يحدد اختصاصات البرلمان وليس أي جهة أخرى، ومن هنا فقانون الإذن واحد من تلك الاختصاصات.
ـ ثانيا: الفصل 70 جاء تحت عنوان عريض هو "سلطات البرلمان"، وإن لم تكن سلطة إعطاء الإذن من ضمن اختصاصات البرلمان، فلماذا أوردها الدستور تحت هذا العنوان العريض.
ـ ثالثا: تبدأ الفقرة الثالثة من الفصل 70 بـ "للقانون أن يأذن للحكومة..." وتنتهي بـ ".. ويبطل قانون الإذن إذا ما وقع حل مجلسيْ البرلمان أو أحدهما."، وهنا نطرح السؤال: ما علاقة إبطال قانون الإذن بحل أحد مجلسيْ البرلمان، إذا لم يكن هذا الأخير هو المختص في تسطير الأول؟
ـ رابعا: يبدأ الفصل 71 بـ "يختص القانون، بالإضافة إلى المواد المسندة إليه صراحة بفصول أخرى من الدستور، بالتشريع في الميادين التالية.." ويسرد بعدها مجموعة من مجالات التشريع، ثم ينتهي هذا الفصل بـ "للبرلمان، بالإضافة إلى الميادين المشار إليها في الفقرة السابقة.."، ونفهم من هذا أن المشرّع يطابق بين مصطلحيْ "القانون" و"البرلمان" في هذين الفصلين.
ب ـ قانون الإذن في زمن محدد والمراسيم لغاية معينة:
يشترط الدستور، حسب الفصل 70 أيضا، تقييد المراسيم المزمع سنها من طرف الحكومة بزمن محدود وغاية معينة، والبرلمان هو المسئول عن هذا التقييد. وفي هذا الإطار نتساءل إن كان البرلمان على علم بالزمن الذي سُنّ فيه المرسومان المعنيان، وبالغاية التي من أجلها سُنَّا!
طبعا، البرلمان لم يكن على علم بذلك، وإلا لما احتج أعضاؤه ضد "تهريب" المرسومين في عطلة الصيف، ولما احتجوا أيضا مطالبين الحكومة بتوضيح الغاية من إصدار هذين المرسومين؛ كما أنه لو كان أعضاء البرلمان على علم بذلك، لما شاهدنا الوزراء يتهافتون في جلسات البرلمان من أجل إقناع النواب بأن المرسومين صدرا بغاية "الجودة" في التعليم.
ج ـ مصادقة البرلمان:
حتى وإن حازت الحكومة قانون الإذن من البرلمان والتزمت بالزمن المحدد لها والغاية المعينة سلفا، فإن الدستور المغربي لا يعُدّ المرسوم المسنون من طرف الحكومة قانونا كما لا يسمح بنشره إلا بعد مصادقة البرلمان ".. ويجري العمل بهذه المراسيم بمجرد نشرها. غير أنه يجب عرضها على البرلمان بقصد المصادقة، عند انتهاء الأجل الذي حدده قانون الإذن بإصدارها.." (الفصل 70).
فهل صادق البرلمان على المرسومين 2.15.589 و 2.15.588؟
منطقيا، لو أن تلك المصادقة حدثت لكان نواب الأمة ومستشاروها في صف الحكومة ضد الأساتذة المتدربين، ولما هدرت قضية "المرسومين المشؤومين" الكثير من زمن الجلسات في مجلسيْ البرلمان في الأشهر الأخيرة.
وإذن:
إذا انتفت الشروط السالفة الذكر، والتي حددها دستور البلاد، عند سَنّ المرسومين من طرف الحكومة، فإن ذلك يعني أنهما مرسومان منافيان للدستور وأن إصدارهما في الجريدة الرسمية غير قانوني!
ملاحظة أخيرة:
لطالما تساءلت لماذا تحاول الحكومة، عن طريق تصريحات عدد من وزرائها، دفع الأساتذة المتدربين إلى القضاء من أجل البث فيما إذا كان المرسومان قد صدرا قبل ولوج هذا الفوج من الأساتذة المتدربين إلى مراكز التكوين أم بعد ولوجهم؟
لكنني اليوم، صرت أتساءل: هل الغرض من تلك المحاولات هو حجْبُ نظر الجميع عن عدم دستورية المرسومين أصلا، وبالتالي عدم قانونية إصدارهما في الجريدة الرسمية؟
تنبيه:
إن طرحي لهذا السؤال المفتوح والموجه إلى البرلمان المغربي، وتبيان المرتكزات التي يتأسس عليها دستوريا وقانونيا، وكذا النتيجة التي تتمخض عن طرحه؛ لا يعني أبدا إقصاء إيماني بأن المرسومين المعنيين يضربان المدرسة العمومية والحق في التعليم العمومي لكافة أبناء هذا الشعب، ولهذا السبب بالذات يجب إسقاطهما.
