التفوق التكنولوجي الغربي ورهان تحقيق الوحدة الاقتصادية العربية والمغاربية

التفوق التكنولوجي الغربي ورهان تحقيق الوحدة الاقتصادية العربية والمغاربية

الحسين بوخرطة

 

عندما نتأمل خريطة النزاعات في العالم في العصر الحديث، لا يمكن أن لا نلاحظ أن الحروب والاقتتال والإبادة قد أصبح مجالها الجغرافي، منذ إعلان النظام العالمي الجديد، مقتصرا على المنطقة الجنوبية بصفة عامة، ومنطقة الشرق الأوسط وإفريقيا بصفة خاصة. بالطبع إن هذه الظاهرة تستدعي البحث وتعميق التحليل خصوصا والكل يلامس أن هناك فعلا مجهودا غربيا لدعم التقدم الثقافي والاقتصادي في مناطق أخرى من الكرة الأرضية كأمريكا الجنوبية والقارة الآسيوية كنموذجين (الحديث مثلا عن إمكانية إدماج البوسنة في الاتحاد الأوروبي بعدما اندثرت نسبيا النزعات الطائفية). وهنا لا بد لنا أن نتساءل في شأن ثورة البابا فرانسيس، بابا الفاتيكان، ولقائه مؤخرا مع قائد الكنيسة الأرتودوكسية الروسية في كوبا بعد قطيعة دامت أكثر من عشرة قرون. لقد أثارنا الخطاب الذي ألقاه البابا أمام أكبر عدد من السجناء في المكسيك ودعوته إلى محاربة التهريب والجرائم المنظمة. لعله منطق جديد من المحتمل أن يرمي إلى تحقيق نوع من الالتقائية "الكنائسية" لدعم الانتقال الثقافي والسياسي في دول المناطق المؤهلة لذلك زمن النظام العالمي الجديد والعولمة الثقافية وطموح القوى القيادية للعالم في إضفاء الطابع الشمولي على الثقافة الكونية.

ونحن نفكر بصوت عال في عدد من القضايا المعاصرة التي تميز كل هذه التطورات، بعدما أشرنا في مقالات سابقة إلى عدد من الاعتبارات الجديدة المصاحبة لمنطق هذا النظام السياسي والاقتصادي العالمي، نرى أن السرعة التي يسير بها العالم سياسيا وتكنولوجيا واقتصاديا قد تسببت فعلا، وتتسبب، في سقوط الضحايا نتيجة عدم قدرة فئات واسعة من مجتمعات الجنوب على المواكبة والاستفادة من خيرات الاقتصاد العالمي. وبرز الإسلام السياسي والحركي، بنزعات استغلالية لا علاقة لها بقيم التسامح والتضامن المعروفة، كأكبر محتضن لهذه الفئات، وبرز في نفس الوقت كون المجال الجغرافي الأكثر عرضة للسقوط في هذا النوع من الاحتضان هو منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا. لقد تتبعنا مثلا في قناة فرانس24 الفرنسية يوم 17 فبراير 2016 برنامجا وثائقيا يؤكد استمرار التمييز على أساس طبقي ما بين العائلات النبيلة والعائلات القبلية في دولة السنغال بحيث ساد نوع من النفور الاجتماعي ما بين الطبقتين الاجتماعيتين استمر لعقود، نفور دفع الشباب بفعل تشابك علاقاتهم العاطفية والحميمية إلى التمرد على هذه العادات البالية، بحيث فرضوا بإلحاح شديد بداية قبول زواج النبيل بفتاة القبيلة، والعكس صحيح. إن العودة إلى القبيلة والعقيدة والعشيرة أصبح ملاذا للعاجزين عن المواكبة أو المحرومين من الاستفادة بالشكل المطلوب من التطورات الكونية بشركاتها العابرة للقارات ومتعددة الجنسيات. إن التركيز على الشرق الأوسط بشكل خاص، وإفريقيا بشكل عام، لا يمكن اعتباره عملا معزولا في المجالين الجغرافي والزمني، بل من المفروض أن يكون ذلك راجع لتصنيف غربي للمنطقة الممتدة من الخليج إلى المحيط كمجال الأكثر شراسة في مقاومة التطورات. في نفس الآن، والصراع تزداد حدته في هذه المنطقة منذ التسعينات، لا يمكن لأحد أن لا يلامس وجود إرادة لدى القوى العالمية لاستمرار بذل الجهود لتحقيق التنمية والحفاظ على السلم والسلام والأمن في عدة دول تنتمي إلى القارات الأخرى (كأمريكا الجنوبية مثلا). تتحمل الدول العظمى هذه الفاتورة لا لشيء سوى لكونها تعتبر أن الاستفادة من الدعم الدولي يبقى إلى حد بعيد مرتبط بالتطور الثقافي الذي لا يترك مجالا لاستغلال الفقر والنزعات المذهبية والطائفية والعشائرية في السياسة.

ولنكن واقعيين، إن العالم المتطور أصبح اليوم يحتكر المعرفة التكنولوجية ويتحكم في مستهلكيها. إنه يخترع كل يوم آلات ومعدات عديدة ومتنوعة جديدة يمكن التحكم فيها عن بعد. وعندما نتحدث عن هذا النوع من التحكم نعني بذلك قدرة الصانع، أي المخترع، على إيقاف محركها عن بعد مثلا، أو تعطيلها في وقت يكون مستهلكيها في أمس الحاجة إليها. الثورة التكنولوجية، المصحوبة اليوم بثورة البابا فرانسيس، تطمح بلا شك إلى صنع عالم جديد لا مكان فيه للمقاومة المناوئة للنظام العالمي الجديد النيوليبرالي بقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان واقتصاد السوق. نعيش اليوم بلا ريب في زمن الطائرات بدون ربان، والأقمار الاصطناعية متعددة الوظائف لمراقبة الأرض والسماء وضمان التواصل الآني بين الأفراد والجماعات... فكم من زعيم يتم تحديد مكانه بالهاتف النقال الذكي .... وكم أصبح سهلا العمل الاستخباراتي... ولم لا، افتراض استمرار التحكم عن بعد في الطائرات الحربية والدبابات بعد بيعها.... يعرف العالم هذه الثورات العلمية والتكنولوجية في وقت لا زالت فيه الشعوب الجنوبية، خصوصا الشرق الأوسطية والإفريقية، تصنف في خانة الشعوب الاستهلاكية...

إنها الاعتبارات التي تجعلنا دائما ميالين للدفاع على ضرورة الانفتاح على العالم، والحرص على الاستفادة من اختراعاته وخيراته..... إنه الخيار الذي يجب أن يبعد الأنظمة والتيارات السياسية على السواء في منطقة الشرق الأوسط والمنطقة المغاربية من الاستثمار في النزاعات الطائفية والمذهبية والعقائدية .... إن البدء في مسار المفاوضات في شأن بناء وحدة اقتصادية إقليمية منفتحة على العالم هو السبيل الوحيد لإنقاذ الشعوب العربية والمغاربية والعثمانية والفارسية واليهودية من مخالب الاقتتال والاستنزاف المتواصل.... فلتكن دول المنطقة سباقة للمبادرة وحماية الملايين من أبناء هذه المنطقة من حمامات الدم اليومية.

 

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة