هل تعيش منطقة الشرق الأوسط سايكس-بيكو بمنطق جديد؟

هل تعيش منطقة الشرق الأوسط سايكس-بيكو بمنطق جديد؟

الحسين بوخرطة

 

من خلال تتبعنا الإعلامي لتطورات الشرق الأوسط، نصادف من حين لآخر كتابات مفادها أن ما تعيشه منطقة الشرق الأوسط ما بعد الحراك العربي هو بمثابة أحداث تدخل في إطار إستراتيجية غربية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ترمي إلى تحقيق الاستمرارية لاتفاقية سايكس-بيكو بمنطق جديد. وهناك من يرجح وجود اتفاق غير معلن ما بين روسيا وأمريكا والصين لخلق خريطة سياسية جديدة لمنطقة الشرق الأوسط، وأن القوى الإقليمية ما هي إلا أدوات لتنفيذ هذا المخطط المزعوم.

ليس المهم هو أن نتفق أو نختلف مع هذا الطرح، لكننا لا يمكن أن لا نستحضر أن صلب الصراعات، التي أصبحت دموية إلى حد لا يطاق، كان دائما أساسه تضارب للمصالح الاقتصادية داخل الدول وما بين الدول إقليميا وكونيا. لقد تحدث العديد من المفكرين أن من يحرك السياسة داخل الأوطان ويحدد استراتيجيات التحرك في إطار العلاقات الدولية هو المنفعة. قد نسميها كذلك ليكون المصطلح يعني "المصلحة" لنتجنب قبول نعته في القرن الواحد والعشرين ب "الغنيمة". كما أن طبيعة التطورات، ومقارنتها مع الماضي، لا يمكن أن ينسينا دور الشركات العابرة للقارات ومتعددة الجنسيات التي تقود النظام العالمي الاقتصادي الجديد. فهذه المؤسسات الاقتصادية العملاقة هي التي ستتدخل، بعيدا عن أضواء الإعلام بكل أشكاله، عندما ستهدأ الأوضاع، ويبدأ الحديث عن إعادة إعمار البلدان المتضررة. بالطبع إعادة الإعمار هاته سيتم تمويلها بالاحتياطي من العملة الصعبة المكون من عائدات بيع كل أنواع الطاقة والمعادن والمواد الأولية..... إنها الأوضاع التي ستمكن من جديد مجموعة الدول العظمى، الراعية للنظام العالمي الجديد، والذي يمكن أن نظيف إليها روسيا والصين، من جعل الاقتصادي آلية جد قوية لقيادة التغيير بمنطق "القوي" في منطقة الشرق الأوسط، منطق تتحكم فيه كذلك المرجعية الإيديولوجية الغربية المتفاعلة بقوة مع الإيديولوجيتين الروسية والصينية (عودة العملة الصعبة إلى بنوكها الأصلية).

ومهما كانت الاعتبارات، نرى أننا مجبرين سياسيا للاعتراف أنه، إلى جانب المصلحة، هناك قيم ليبرالية مدعومة روحيا على المستوى "الكنائسي"، وسياسيا بالقوى التي لا تسمح باستمرار الأنظمة غير الديمقراطية المناهضة للحريات وحقوق الإنسان كشعار معنون لفترة ما بعد هدم جدار برلين. دليلنا في ذلك، هو التعبير الغربي عن دعمه القوي والمباشر لمسار الثورة التونسية ما بعد بنعلي. فالشخصيات التي قادت المفاوضات لإخراج تونس من عنق الزجاجة قد تم تكريمهما دوليا. ما يهدد التجربة التونسية اليوم من حين لآخر ليس هو المنتظم الدولي، بل هناك من الجيران من يرى في نجاح التجربة الديمقراطية التونسية بمثابة خطر عليه. كما نذكر في نفس الموضوع التطورات الإيجابية التي عرفتها المملكة المغربية، تطورات جاءت لتتوج المسار التفاعلي النضالي الداخلي الذي استمر منذ الاستقلال إلى يومنا هذا. وعندما نتحدث عن "يومنا هذا"، نعني بذلك الوصول إلى مغرب حديث قطع أشواطا لافتة في مساره السياسي والاقتصادي والحقوقي. لقد أصبح هذا البلد مهيأ في مجمل ترابه بالطرق السيارة والسكك الحديدية والمطارات والمناطق الصناعية والمرافق السياحية... بل أصبح من الدول المصدرة لعدد من المنتوجات الصناعية. فمن باب الاعتراف بالمجهودات التنموية التي تبذلها بعض الدول القطرية في منطقة الشرق الأوسط، فإن المغرب، دولة وشعبا، يعتبر أمن وسلامة دول الخليج بمثابة "خط أحمر". إنه اعتبار مبرر بالإمكانيات الضخمة المتنوعة التي يمكن أن تحول التفاعل والتعاون الاقتصاديين ما بين المغرب ودول الخليج إلى آلية لتحقيق الامتداد التنموي إلى المنطقة المغاربية، وبالتالي تحويل المنطقة الممتدة من الخليج إلى المحيط الأطلسي، في حالة نضج الإرادة السياسية، إلى محولة للتنمية من الشمال إلى الجنوب.

ونحن نناقش كل هذه الاعتبارات، لا يمكن أن لا نطرح إشكالية دور الزعامات السياسية في قيادة الانتقالات الديمقراطية في المنطقة. لنقولها بالواضح، إذا ما استثنينا بعض الدول، نجد أن المنطقة تشكو بالفعل من ضعف كبير في عدد الزعامات السياسية الوطنية الكاريزمية القادرة على قيادة التغيير بنجاح ما بعد الحراك العربي. لا يمكن للتاريخ أن ينسى بن بركة وقيادته لمشروع تحرر الجنوب. لقد ذكرنا الشهيد المهدي في هذا المقام لنكون متناغمين وموضوعييين لإقناع القراء بخصوصية التجربة المغربية. ففي إطار حرص الملكية على تحقيق التعددية مبكرا، وحرص القوى السياسية على التفعيل الحقيقي للديمقراطية واحترام الحريات وحقوق الإنسان، ونتيجة للتفاعل الدائم بإيجابياته وسلبياته، تمكن المغرب من إنتاج قيادات كاريزمية لعبت أدوارا ريادية، إلى جانب المؤسسة الملكية، في قيادة التغيير في إطار توافقي. إنها الأدوار التي أصبحت ذات مردودية كبيرة في فترة ما بعد التسعينات. لقد نجحت هاته الزعامات الوطنية المعروفة في قيادة التغيير في المراحل الصعبة والتي نذكر منها عبد الرحيم بوعبيد، وعلي يعتة، و بنسعيد ايت يدر، وبوستة..... ليتوج مسار إستراتيجية النضال الديمقراطي ببروز نجم زعامات أخرى قادت مسار الاستمرارية في بناء المغرب المؤسساتي. وبكامل الموضوعية، يمكن اعتبار عبد الرحمان اليوسفي من الزعماء الكبار في قيادة الانتقال الديمقراطي الذي مكن جيل المرحوم بنزكري وعدد كبير من السياسيين من الجيل الثاني من قيادة مسار تحقيق المصالحة الوطنية والتقدم في البناء الديمقراطي.

وفي الختام نقول أن المشروع الغربي لم يعد اليوم يعادي إيديولوجيا "العدالة الاجتماعية". فالليبرالية لم تعد اليوم ترفع شعار "من لا يعمل لا يأكل". فإلى جانب المؤسسات الراعية للانفتاح الاقتصادي، وعلى رأسها المنظمة العالمية للتجارة (التي تأسست بالمغرب)، تم خلق مؤسسات للدعم الاجتماعي والتنمية البشرية.... إضافة إلى ذلك، لا يمكن لأحد أن يجزم أن التنمية الاقتصادية في كل دول العالم يمكن تحقيقها بالرأسمال الوطني. إن الانشغال الأساسي للأنظمة السياسية في كل دول العالم أصبح اليوم أكثر ارتباطا بتوفير شروط جلب الرأسمال الأجنبي....

وهنا أجد نفسي مضطرا لتكرار ندائي إلى كل القوى السياسية في منطقة الشرق الأوسط في شأن ضرورة بدء التفاوض في شأن خلق سوق اقتصادية جهوية.... إن طلب تركيا الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي سيبقى بعيد المنال ما دامت علاقاتها مع الجوار متوترة، ولكونها بهذا الوضع لن تحقق للغرب المنفعة المنتظرة لا سياسيا ولا اقتصاديا....

 

إن وضع القوى الدولية العظمى أمام الأمر الواقع، أي أمام وضع تفاوضي متقدم بزعامات سياسية قوية لبناء الوحدة الاقتصادية في المنطقة، تشارك في إنجاحه كل الدول العربية وإيران الفارسية وتركيا العثمانية، هو الأساس الذي سيمكن المتتبعين من الحسم في سؤال : هل نحن أمام سايكس-بيكو بمنطق جديد أم لا؟.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة