اللوائح الوطنية للنساء و الشباب أنابيب فاشلة للإخصاب السياسي خارج رحم الأحزاب
آمال جناح
أحدثت مسألة إلغاء اللوائح الوطنية للشباب جلبة إعلامية كبيرة و نقاشا عموميا أكبر بين مؤيد و معارض، و الأكيد و نحن نستقبل شهر مارس بعيده العالمي للمرأة سيثير الجدل أيضا و الكثير من الاجترار البكائي في النقاش حول المشاركة السياسية للمرأة و تمثيليتها في مناصب المسؤولية السياسية الإدارية و حتى الاقتصادية؛ كما أن الاقتراح القاضي بإلغاء اللوائح الوطنية للشباب باعتبارها ريعا سياسيا بادر إلى اقتراح تحويل الحصة إلى لوائح النساء. و من الممكن أن يسقط البعض في السطحية النفعية ليستقبلوا هذا الاقتراح الإجرائي بالتثمين باعتباره قد يشكل مكسبا جديدا للمرأة المغربية.
و في كل الحالات فإن الانكباب على السياسات الحزبية بخصوص الشباب و المرأة يبين لنا أن هذه الأخيرة لها نفس المقاربة في تناول قضايا هاتين الفئتين باعتبارهما أقرب إلى كونهما كائنات قاصرة سياسيا و تسعى للمضي بهما نحو النضج بالمشاركة و التمثيلية السياسية الفعلية عن طريق نفس الميكانزمات السياسية بدءا بالتمييز الإيجابي عن طريق الكوطا.
و لعل تأثر الساحة السياسية الوطنية بالتبعية في الكثير من المواضيع للتجربة الفرنسية، مع أن الجمهورية تحتل ترتيبات دنيا في مجال حقوق المرأة و الشباب السياسية مقارنة مع دول أوروبية أخرى و على رأسها البلدان الاسكندنافية، إلا أننا للأسف لم نستفد حتى من التجربة المتواضعة نسبيا لفرنسا في مجال التميز الإيجابي، ففي الوقت الذي اعتبر القضاء الدستوري الفرنسي التمييز الإيجابي للنساء سنة 1982 غير دستوري و يضرب المساواة في صميمها كما اعتبر أن الدخول في تجربة تقنين الفؤوية قد تجر البلاد نحو الطائفية و التعصب؛ أبينا نحن في المغرب إلا أن نفتح هذا الباب عقب الحراك الذي منحنا دستور 2011 و الذي أتى على أكتاف الشباب فكان لا بد أن ينص على التمكين السياسي، الاقتصادي، الثقافي و الاجتماعي لهم.
و اعتمدت الأحزاب التمكين السياسي للشباب عن طريق اللوائح الوطنية...
و لم يتحرك طبعا القضاء الدستوري المغربي على غرار قرينه الفرنسي ليعتبر بأن التمييز الإيجابي يضرب مبدأ المساواة الدستورية في الصميم، و يمكن أن تجري نفس المعايير على اللائحة الوطنية للمرأة.
و إذا كانت التنظيمات النسائية في فرنسا قد لجأت حين اصطدمت بالجدار الدستوري لمبدأ التكافؤ (la parité ) في نضالها لرفع التمثيلية و اقتحام مراكز القرار السياسي؛ أي أن الوسيلة لإعادة الاعتبار لمبدأ المساواة الدستوري لا يمكن أن يتم إلا عن طريق التكافؤ، فإن المنظمات النسائية و الشبيبات في المغرب فضلت الركون إلى هذه اللوائح تحت مظلة التمييز الإيجابي للضرورة السيكولوجية للمجتمع.
لكن بعد تجربة هذه اللوائح قد لا يختلف اثنان حول كون النتائج في التمكين السياسي تبقى هزيلة، و السبب في الحقيقة ليس هو هذه اللوائح بقدر ما هو التواطؤ الجماعي في مراكز القرار الحزبي لخندقة المرأة و الشباب على حد سواء.
فبعض النظر عن أن الجنس و السن كذريعة للوصول إلى مراكز القرار يبخس حتما الكفاءة إذ لا يرتبها في الأولويات، فإن تخصيص العمل السياسي لهاتين الفئتين عن طريق منظمات موازية هو عمل أقل ما يمكن ان يقال عنه أنه غير سياسي فكيف يمكن أن أن يكون سبيلا للتمكين السياسي؟!
إن ما قد يغفل عنه العموم هو أن المنظمات الحزبية النسائية و الشبيبية هي عبارة عن جمعيات و يحكمها قانون الجمعيات، و لأجل التمويه يقال لها تنظيمات موازية؛ هذا المسار هو أول الغبن و التظليل، بمعنى أن النساء و الشباب يلتحقون بالحزب لكنهم يمارسون العمل الجمعوي، و لأجل ذر الرماد في العيون يتم اصطناع هذه اللوائح التي قد تتيح الوصول إلى مراكز السياسة!
هذا الوضع يذكرنا بنكتة اشتهرت في الأوساط الشعبية بخصوص الصومالي الذي كان لا يضاهى في الجري و يكسب المراتب الأولى لأنهم يضعون له عند خط الوصول خبزا و تعبر هذه النكتة عن السخرية السوداء التي تبخس مسار الجهد و الاجتهاد لمجرد الجوع.
إن اللوائح الوطنية تحكي قصة الجوع للسلطة و المناصب لكنها تبخس كل النضال الممكن و تطمس المسار لأنه مسار خطأ من أساسه.
إننا ننتظر حملا داخل رحم الأحزاب ينجب هياكل بتمثيلية نسائية و شبابية تدعم مبدأي المساواة و التكافؤ و نقوم بعمليات إخصاب خارجها!
أي منطق ذاك الذي يجعل امرأة أو شابا يهب طاقته لحزبه ليقدم له هذا الأخير جمعية للاشتغال فيها!
إن خلق هذه المنظمات الموازية و اعتماد هذه اللوائح الوطنية هو سبب أزمة التمكين السياسي لهذه الفئات إنه حل اليأس من اقتحام مراكز القرار!
إنها صناعة تقوم بفرز واقيات للنخب الكلسية و المتكلسة داخل الأحزاب، لتقوم بخندقة الشباب و المرأة و عزلهم في عوازل جمعوية تحت اسم المنظمات الموازية تحمي بكارة النخب المغلقة و المتوارثة للمناصب؛ فأي إخصاب يمكن أن نرتقب!
