"البوتينية" الروسية، الملف السوري والنظام العالمي الجديد

"البوتينية" الروسية، الملف السوري والنظام العالمي الجديد

الحسين بوخرطة

 

لقد اخترت عنوان هذا المقال على أساس أهمية أجزاءه الثلاث في التاريخ أولا، وارتباطهما بالأمن الغربي والسلام العالمي اليوم وغدا. لقد أعلنت أمريكا مباشرة بعد هدم جدار برلين النظام العالمي الجديد، إعلان جاء على إثر تفكيك كلي للإتحاد السوفيتي. ومنذ ذلك الحين، والولايات المتحدة، مدعومة بدول الاتحاد الأوربي، تبني نظاما عالميا بذكاء شديد غلب في كل جوانبه العمل التكنولوجي على العمل البشري. وكانت الغاية من ذلك، هو تحقيق كل شروط تجنب حدوث الثورات العمالية التي مكنت روسيا من الوصول إلى تشكيل قطب قوي، فرض تقسيم دولة ألمانيا والعالم بأسره إلى جزأين متناحرين سياسيا. ما من شك، ما تقوم به أمريكا منذ ذلك الحين هو عمل إيديولوجي، يراد من حلاله تحقيق المد العالمي للنيوليبرالية بجوانبها السياسية والاقتصادية والثقافية. إنه بلا أدنى تردد مشروع متكامل قد أعطيت له الانطلاقة بعد إعداد محكم. لقد تم تقوية المنظمات الدولية التي ستسهر على تنفيذه (البنك الدولي، صندوق النقد الدولي، المنظمة العالمية للتجارة، المنظمة العالمية للعمل،...).... وهنا، لا أحد منا يمكن له أن ينكر أو يتنكر للثورة التكنولوجية والاقتصادية العالمية التي تحققت منذ التسعينات. ومن أجل تجسيد هذه الحقيقة استشهد بهذا المعطى: لقد انتقل العالم الرقمي من الحواسيب ضعيفة القدرة إلى الألياف البصرية (أقوى حاسوب من صنف خادم في سنة 1992 خزانه كان لا يتجاوز 4 "ميكا" ليتحول اليوم إلى مئات "الجيكا"). إنها ثورة أعطت بالموازاة الانطلاقة للتفاوض في شأن الانفتاح الاقتصادي عبر دورات تعقدها بشكل منتظم منظمة التجارة العالمية، وتمكنت الشركات العابرة للقارات ومتعددة الجنسيات من التواجد في كل بقاع العالم، تواجد متشابك ومتواصل بشكل آني بواسطة الأشعة الضوئية للأقمار الاصطناعية وآليات التواصل الذكية.

وأمام هذا المشروع الضخم، الذي حول العالم إلى قرية صغيرة كما يقال، وأجبرت كل دول المعمور للانخراط فيه بما في ذلك روسيا والصين، نعود إلى مناقشة الملف السوري. صحيح أن روسيا "البوتينية" تحن إلى عهدي لينين وستالين، وقد أجريت في هذا الشأن استطلاعات للرأي في روسيا في شأن رأي الشعب في ستالين وحكمه. ونحن نتابع كتابات المتتبعين لملف الشرق الأوسط عموما، والملف السوري خصوصا، نجد الكل تقريبا يقر أن موازين القوى في المنطقة أصبحت اليوم لصالح المحور الكون من روسيا والنظام السوري وإيران وحزب الله. نحن بدورنا كتبنا في مقالنا السابق أن هناك تفوق سياسي لهذا المحور حيث أبرزنا المؤشرات التالية: "لقد تم استبعاد سيناريو التدخل البري في سوريا، وقل الحديث عن إقامة منطقة عازلة ما بين الحدود التركية والسورية، وعن خيار تسليح المعارضة بأسلحة نوعية، ولم ينجح أردوغان في إقناع حلفائه في شأن تصنيف الحزب الديمقراطي الكردي كمنظمة إرهابية تشكل امتدادا للحزب العمالي الكردستاني، ولم تتفق روسيا مع أمريكا على فكرة عدم إدراج جبهة النصرة استراتيجيا في خانة العدو الإرهابي، وارتفعت النفقات العسكرية للمملكة السعودية في مرحلة تعرف فيها عائدات بيع الطاقة البترولية انخفاضا ملموسا، وطال أمد التدخل العسكري العربي في اليمن، وازدادت آفة التهجير في اتجاه الحدود التركية حدة، وتأزمت الأوضاع في اليونان بفعل الحشود المتزايدة للاجئين، وازدادت حدة الخلاف ما بين الدول الأوروبية في شأن التعامل مع هذا الملف الإنساني الشائك.... لكننا نعود اليوم لنقول أن هذا التفوق الظاهر ليس خارج النظام العالمي الجديد الذي تم البدء في بنائه منذ التسعينات..... ونظرا لثقل المكتسبات الغربية في هذا الشأن، فإن نسبة التهور الغربي في اتخاذ القرارات في شأن الملفات الكونية الحساسة، كالملف السوري، تكاد تكون منعدمة .... فكيري كان متناغما مع مشروع بلده عندما رد على أحد أعضاء المعارضة السورية "هل تريدون لأمريكا أن تدخل في حرب مع روسيا من أجلكم..."... 

وأخيرا نقول إذا كانت تحركات روسيا العسكرية والدبلوماسية أكثر جرأة، فإن ذلك راجع لا محالة لنضج غربي وصبر أمريكي. فروسيا تكاد تحاول العودة إلى فرض واقع جديد في أطار النظام العالمي الجديد بمنطق "بوتيني" وهي تعلم أن الغرب لن يغامر في هدم ما بناه منذ التسعينات... ليس هناك اليوم من يناهض الديمقراطية وحقوق الإنسان واقتصاد السوق، هذا انتصار غربي بامتياز. وحتى إن افترضنا أن هناك خلاف بين روسيا والصين من جهة والغرب بشقيه الأمريكي والغربي من جهة أخرى في شأن دور الدولة في الاقتصاد، فإن قرارات تدخل الدولة لضخ الأموال في البنوك في الأزمات المالية العالمية قد يقرب فيما بينهم، ليصبح الصراع مصلحيا بكل المقاييس في إطار إيديولوجية النظام العالمي الجديد.... والهدنة بعد قرار وقف إطلاق النار مستمرة في سوريا، وستدخل أسبوعها الثاني، لا نملك مجددا إلا أن نقول حذار من دفع الغرب إلى الدخول في خطة "ب"... الكل يتذكر أن زيارة الوفد العربي لأمريكا هي التي كانت وراء وقف العدوان الإسرائيلي على لبنان... على حزب الله وإيران أن يعيدا حساباتهم في شأن منطق تدخلهما في قضايا جيرانهم.... فلا خيار لدول المنطقة بشقيها السني والشيعي، في البداية والنهاية، إلا إعطاء الانطلاقة للتفاوض البناء في موضوع التعاون الاقتصادي، والكف عن تمويل الطوائف لإثارة الفتنة... لقد تصالحت كنائس دول العشرين الصناعية دفاعا على مكتسبات الشمال ..... وماذا عن الطائفية في الشرق الأوسط؟؟.

 

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة