الأنترنيت والحرية
الحسين أربيب
جاء عصر العولمة وتحول العالم الى قرية صغيرة بكثير من المزايا منها الأنترنيت التي قربت الغريب الى وطنه وجعلت قلبه يخفق مع أهله في الشاذة والفذة في الحزن والفرح ، لدرجة أن بعض المغاربة نقلوا عبر وسائل التواصل الاجتماعي فديوهات أمهاتهم وهن يحتضرن ، قمة ما في الحزن تم نقله ومشاركته عبر "السكايب" و"منسانجر" وغيرها وكما تم نقل الأفراح والمسرات ، وذلك لم يكن ممكنا الى عهد قريب .لا لشيء سوى أن لا يترك الغريب بعيدا عن أهله زمن العولمة وتتم صلة الرحم اقدس ما في روابط العائلة المغربية. وتلك مزية اجتماعية كبيرة قربت المجتمعات وذوبت الفوارق وقلصت حجم الجهل ببعضنا البعض. وهذا ساهم في تقارب الشعوب وتعارفها . والأنترنيت إضافة الى هذا الرابط بين العائلات وتجمعها عبر شبكة عنكبوتية سريعة ورخيصة هي وسيلة من وسائل التعبير عن الحرية بأشكالها المتعددة سواء عبر الكلمة أو الصورة أو طرق أخرى .
ومقياس الحرية اليوم أصبح ليس فقط عدد الجرائد والأحزاب والتظاهرات بل أيضا مدى سلاسة جريان الأنترنيت وعدم تقييدها في الزمان والمكان والمواضيع بل تركها مفتوحة على مصراعيها ، تلك هي الحرية وليس تكبيلها ، طبعا مع العمل على استتباب الأمن عبر الطرق المشروعة القانونية والتي تسمح بها القوانين الدولية في حماية المواطنين من كل ما يعكر صفو حريتهم التي تساهم في تنمية البلاد والعباد ، لأن الحرية هي من أهم عناصر دعم الإبداع وتقوية الإنسان في كل المجالات ، لأن الإنسان لا يعيش بالخبر وحده، بل لابد من الحرية، فبدون نور الشمس لن تستقيم الحياة مهما كان الرخاء المادي .
جاءت الأنترنيت، هذا التطور الهائل في عالم التواصل لتقريب المعلومة والمعرفة والمصالح وتبادلها بدون وسائط قد تكون في الغالب وسائط احتكارية واستغلالية تهدف للربح أو الاستغلال او الاستعباد أو الاستحواذ عن القرار وتملك السلط سواء السياسية أو الاقتصادية والهيمنة على الطبقات المحرومة لتستغلها فئة محدودة وتبني على ذلك الحرمان مجدها وثراءها، ولقد ساهمت الأنترنيت في استيقاظ فئات اجتماعية كانت مغيبة جراء حرمانها من التعليم الجيد فأصبح كل فرد مهما كان مستواه التعليمي والمعرفي والإدراكي يتعامل ويستعمل وسائل الاتصال الاجتماعية ، إما لصلة الرحم أو البحث الدراسي أو التعارف على أشخاص وجماعات من جنسيات وقوميات مختلفة خاصة وأن عائق اللغة أصبح متجاوزا بسبب وجود خدمة الترجمة الفورية عبر "جوجل" كما أن الأنترنيت صارت تساهم في سرعة عالم التجارة والتبادل ناهيك عن التبادل الفكري والمعرفي والتجارب ، ألم يكن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ينص في المادة 19 على أن " لكل شخص الحق في حرية الرأي و التعبير ، وهذا ما يترتب عنه الحق في عدم قلقه بسبب أرائه وبسبب بحثه وتلقي ونشر المعلومات والأفكار بكل وسائل التعبير مهما كانت، وذلك دون اعتبار للحدود إلا أن الواقع السياسي الذي تتداخل فيه القضايا الأمنية والتجارية واستقرار الأنظمة والمصالح الدولية وكذا الضغوطات التي تمارسها الشركات الكبرى على اختلافها على أصحاب القرار قد تدفعهم الى اتخاذ قرارات منع الأنترنيت أو تقييد بعض موادها تحت تبريرات أمنية أو تجارية واقتصادية كما وقع للمغرب الذي أوقف تشغيل بعض وسائل الاتصال عبر الأنترنيت تحت مبررات لا تصمد أمام الواقع وأمام القانون خاصة الدستور لسنة 2011 الذي ينص في مادته 27 " للمواطنين والمواطنات حق الحصول على المعلومات ،الموجودة في حوزة الإدارة العمومية، والمؤسسات المنتخبة ،والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام " . لا يمكن تقييد الحق في المعلومة إلا بمقتضى القانون، بهدف حماية كل ما يتعلق بالدفاع الوطني، وحماية وأمن الدولة الداخلي والخارجي، والحياة الخاصة للأفراد، وكذا الوقاية من المس بالحريات والحقوق الأساسية المنصوص عليها في هذا الدستور، وحماية مصادر المعلومات والمجالات التي يحددها القانون بدقة" وعلى الصعيد التعاقدي أي أن العقد هو شريعة المتعاقدين كما يقول فقهاء القانون المدني ، فإن اشتراك المواطن مع شركة اتصالات معينة هو عبار عن عقد قانوني للخدمة المعينة كما هي مبينة في العقد أي خدمة كاملة غير ناقصة ، لذا ليس لها أن تقطع أي مجال من مجالات الإنترنيت سواء تعلق الأمر بالصور أو الصوت أو غيره. لذا من حق المشترك المطالبة باسترجاع حقه كاملا أو يفسخ العقد بسبب عدم أداء الخدمة كما هو منصوص عليه في عقد الاشتراك.
ومن الصدف العجيبة أن هذا الفعل الذي قامت به الوكالة الوطنية للاتصال و المقيد للأنترنيت جاء قبيل اليوم العالمي لمحاربة رقابة الأنترنيت والذي يسعى الى فك الحصار على المواقع المقيدة في الشبكة من قبل بعض الدول التي تريد أن تبني جدرانا حول شعوبها.
ومهما يكن من أمر فإن تقييد الإنترنيت يعد أساسا تقييدا للحرية ، حرية التعبير ، حرية الحصول على المعلومة والإخبار ، الحرية الفردية للتنقل التي يضمنها الدستور والتنقل هنا عبر شبكة الإنترنيت ، إذن مهما كانت المبررات ، أمنية كانت أو اقتصادية أو اجتماعية ، فالحق في الحرية يتصدر كل الحقوق، طبعا حرية ببقاء بلدنا حرا غير مهدد من قبل قوات أجنبية ولا تحت هيمنة فكر متسلط إرهابي ، وفي مثل الأوضاع التي نعيشها يتم الحرص على ضمان الحرية لكشف كل فكر دخيل ومحاربته بالفكر وليس بالمنع والقمع، لأن القمع لا يولد إلا القمع .والحرية هي إضاءة للطريق وكشف للظلام والتقوقع والإنعزال، فبالحرية يمكن محاربة كل مظاهر التخلف وبالحرية يفسح المجال للخلق والإبداع ، فهل نختار طريق الحرية أم نبني جدرانا حولنا بمنع الإنترنيت وحرية التعبير وقتل كل ما هو إنساني فينا؟
