الامتداد

الامتداد

سعيد المودني

 

تظهر بين الفينة والأخرى محاولات رأب الصدع في الصف الفلسطيني الداخلي، غير أن كل تلك المحاولات ما أن تبتدأ حتى تتوقف ليولد أي جنين من مخاضها ميتا، في حتمية لا تحيد عما سُطر لها..

وفي الواقع هذا المصير حتمي حقيقة، نظرا لتركيبة الصراع في أصله، وما ترتب عليه من حركات ومرجعياتواصطفافات، إما داخليا وتلقائيا، أو خارجيا وقصديا، وهو الغالب..

إن المتأمل في ما يروج عن مساعي وجهود "المصالحة" و"الوفاق" الفلسطيني بين فرقاء وفصائل شعبه المتخندقيْن -عموما- في موقعين "متقابلين": معسكر التشبث بالحقوق الوطنية التاريخية للفلسطينيين، والكفران بما سواها وإن فرضته قوة الواقع الراهن بشقيه العسكري و"القانوني" "المفصل" المخترق المنحاز، والعمل على إعداد العدة والأخذ بالأسباب سعيا لتغيير معادلات الوضع الحالي بالمتاح من الإمكانات(ورأس هذا المعسكر حماس)، من جهة، ومعسكر "الواقعية" والتفاوض و"حقن الدماء"(وزعيم هذا الاتجاه فتح/السلطة)،من جهة أخرى..

ذاك المتأمل في التشعبات والامتدادات والارتباطات الإقليمية والدولية لخلفية ومنطلق كل معسكر، يجد أن حماس هي مظهر من مظاهر تيار الإسلام الحركي الشامل المنبثق في عمومه -في موجة بعثه الأخيرة- من اجتهادات الإمام البنا رحمه الله وأتباعه في حركة الإخوان المسلمين.. وهو تيار معارِض للأنظمة الجبرية الشمولية الظالمة المستبدة القائمة في بلدان المسلمين، تماما كما يعارِض سياسيا وحضاريا وهوياتيا المنظومة الغربية الداعمة لتلك الأنظمة، والمتحكمة أيضا -بشكل مباشر أو غير مباشر- في مقدرات الأمة وخيراتها ورقاب أبنائها ومصائرهموهوياتهم... وبالتالي فهو بدوره تيار معارَض بالضرورة من طرف الأنظمة والمنظومة السابقتي الذكر، بحكم التهديد الوجودي المتبادل..

في المقابل، تمثل فتح/السلطة امتدادا طبيعيا ورسميا للنظام العربي الرسمي، وما يمثله من تحالفات وتماه مع النظام الدولي المجسد في المنظومة المتحدث بشأنها سلفا.. والذيْن(النظام العربي الرسمي والنظام الدولي الموجد، الحامي، الحليف) يُعتبران سببَ ومشرعنَ ومبرر وموجد هذه المعارضة ""الراديكالية""..

لا يسع هذا المتأمل إلا أن يقتنع باستحالة تحقيق أي جزء من تلك المساعي ولو كان رمزيا ضئيلا، وذلك لأن القطبين ضدان، والضدان لا يرتفعان ولا يجتمعان.. بل إن وفاقا هناك أو مصالحة تعني بالضرورة تحييد أحد طرفي المعادلة الأصليين(المسلمين واليهود المحتلين) المسببين في ظهور هذه الحركات واصطفافها، وبالتالي إقبار ذاك الصراع إلى الأبد، طبعا بترسيم الواقع وتأبيده بما يحتوي من ظلم المتغلب، وهو المحال بعينه لأن عودة حقوق المسلمين موعود رباني!!..

إن التيارين يختزلان كل مظاهر صراعات العالم الحالية بأبعادها العسكرية والاقتصادية والحضارية.. إنهما يمثلان تجسيدا لصراع بالوكالة تنفيذا لأجندات حضارية عالمية أصيلة أو عميلة.. إنهما امتداد لمرجعيتين فكريتين وحضاريتين وعقديتين متصارعتين، وعليه فلن "يتصالحا" ما دام الصراع الأصلي قائما لاعتماد أحدهما الدخول في الصراع عقيدة، وتورط الآخر في ارتباط خفي عميل بالطرف الآخر..

 

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة