في مزيا اللاتحزّب
عبد اللطيف الركيك
يقولون: "إذا لم تمارس السياسة فستُمارس عليك حتما". وعلى هذا الأساس تتم الدعوة إلى الانخراط في العمل السياسي والانتساب إلى الأحزاب، والتعبير عن الأفكار والآراء من داخل البنيات الحزبية. غير أن التحزب يقتضي أولا التأمل مليا في واقع الأحزاب، خاصة في هذا البلد السعيد، والتأكد مما إذا كانت هذه البنى الموجودة اليوم تجسد بالفعل الظاهرة الحزبية كما هي متعارف عليها في باقي العالم.
الحقيقة المرة أن الأمر يتعلق بهياكل مخدومة وغير حقيقية ولم تُستنبت بطريقة طبيعية، فهي في معظمها أحزاب ورقية لا تتمتع بالاستقلالية عن الدولة وكثير منها لا يحمل من الحزب غير الاسم. أحزاب موسمية لا تفتح دكاكينها إلا لحظة الانتخابات وكلما كانت هنالك كعكة للتوزيع. أحزاب قوامها بالأساس من الأعيان الراغبين في تأبيد السيطرة القبلية والمناطقية وتوارثها بين الأبناء، فضلا عن شرذمة من الانتفاعيين لا يهمها خدمة الوطن والمواطنين، وإنما هي منشغلة بالأساس بحماية مصالحها الاقتصادية. وفي العالية توجد قيادات تمارس الضحك على الذقون وتستغل ما يسمى ب "المناضلين" الحزبيين وتتخذهم جسرا تحقيق مآربها الخاصة متمثلة في الوصول إلى المناصب ومراكمة المصالح والمكاسب المادية عبر الريع السياسي.
وبذلك لا أجد حرجا في القول بأن المنتسبين لأحزاب بهذه المواصفات هم للأسف أغبياء وسدّج و"مقلوبة عليهم القفة". إن دعوة الشباب خاصة والمواطنين عامة إلى الانخراط في الأحزاب ليست دعوة بريئة يُراد من خلالها تقوية الأحزاب أو خدمة المواطن، بقدرما هي نوع من البروباغاندا تروم تدجين وإدماج الشباب والأطر المثقفة في الهياكل التي يسمونها "أحزابا" بغاية الحيلولة دون توجهها توجها آخر، أو تعبيرها عن أفكار لا تتماشى والبنيات والاختيارات التي يُراد لها أن تسود.
وبالمختصر المفيد، وأخذا في الاعتبار للواقع المهترئ للبنيات العبثية التي يسمونها "أحزابا"، فإن محافظة المرء على مسافة من هذه الكيانات الممسوخة واللوذ بالاستقلالية الفكرية يمثل الخيار الأمثل. إن الاستقلالية تمثل بهذا الشكل تاجا فوق الرؤوس، وتمكن الأطر الكفؤة من تفادي الحشر بداخل هذه البنيات المريضة وتلافي الخضوع والاستسلام لشرذمة من الوصوليين والانتهازيين الذين يسيطرون على الحوانيت التي يسمونها زورا وبهتانا "أحزابا".
