الغضب اضطراب بيولوجي وليس بِـ"طْبْعو صْعيبْ" أو "ْ قْلْبو بْيْضْ"

الغضب اضطراب بيولوجي وليس بِـ"طْبْعو صْعيبْ" أو "ْ قْلْبو بْيْضْ"

جواد مبروكي

 

كثيراً ما ألاحظ في مجتمعنا المغربي تكرار هذه العبارات سواء عند الحديث عن شخص ما أو حينما يتحدث الفرد عن نفسه مثل:

 

* صْعيبْ بْزاف كيْتقَلقْ بْحال الرعد بْصَّح كيْبْرد فيسّاعْ وكيْندمْ

 

* انا كنتعصب بْزرْبَ وكَنْغَوْت ولكن دَغْيا كنَرْجَع

 

* عصبي بزاف ويْتقلق ويْغضب على والو ولكن قَلبو بْيضْ

 

* هداك هِي ماتْقلقوهْشْ راه عصبي وكيتقلق على والو بْصَح قْلبُ بيض

 

* رَدْ بالك مْعَها طْبْعْها صْعيب وكتقلق بزاف ولكن فيها لْخير وقْلبها مْزيان و مَكَتْحافيشْ

 

كل هذه العبارات في الواقع تدل على تقلب مزاجي ناجم عن اضطرابات بيولوجية و أمراض نفسانية وليس إلى طبع شخصية الفرد الطبيعية وللأسف كثيراً ما نضطر إلى التعامل مع هذا الغضب على أنه شيء عادي و بهذا المنطق يضطر محيط الفرد إلى التحمل بمرارة لتقلباته المزاجية و نوباته الانفعالية الغاضبة.

 

لكن من المهم جداً أن نتحدث عن الغضب السريع من المنظور الثقافي قبل الحديث عنه من جانب المنظور المرضي المغفول عنه وهذا ما يخلق الالتباس بين الحالتين لدى جل الناس في مجتمعنا فينتهي الأمر عادةً إلى اعتبار الغضب مجرد طبع عادي من طباع الفرد و الاعتراف به كسلوك مقبول مجتمعياً.

 

الغضب في الثقافة المغربية:

 

ألاحظ أن المغاربة يتحدثون بصوت مرتفع جدا في حواراتهم العادية .أما اذا كانوا في نقاش خلاف فالأصوات ترتفع حسب درجة خطورة الخلاف لكي تصل بسرعة عالية الى سقف حالة الغضب القصوى والصراخ والسب و كثيراً ما تتطور إلى العنف الجسدي.

 

وهذه الظاهرة راجعة إلى طبيعة الوسط العائلي والى مستوى التربية. فمثلا ألاحظ في بعض الأسر أن الأب حينما يتحدث مع الأم يكون حديثه إليها بصوت مرتفع يغلب عليه طابع القلق بهدف قمعها وغالبا ما ينتهي الحديث الى حالة من الغضب. كما ألاحظ أن الأب أو الأم كثيراً ما يرفعان الصوت بصيغة الأمر العسكري القاسية عندما يطلباني أي أمر من أحد أبنائهما.

 

وهذا السلوك العنيف وسط العائلة ناجم عن غياب ثقافة الحديث بحنان ومودة مع الطفل لأن هذا النوع من الحديث الودي اللطيف يعتبر في منظور الثقافة الشعبية السائدة مُضراً للطفل لأنه سوف يعلمه "لفشوش" ويجعله لطيفاً بحيث تأكله الذئاب مصداقاً للمثل القائل:"كُن ظريف يكلك الخُريف" ولهذا حسب المفهوم الشائع يجب الحديث معه بشدة و صرامة "باش يْكون حْرْشْ" .

 

هذه الأسباب كلها تلعب دوراً مهماً في تشكيل الحوار المغربي العنيف والقاسي أما أساسه فيكمن في الأخطاء المرتكبة في التربية منذ الصغر ولهذا أرى أن الحوار مع المغربي يكون دائما ممزوج بسلوك قلق يقود إلى تفجير الغضب "عْلى سْبَّ" ما يجعل غياب الحوار اللطيف والهادئ في مجتمعنا أمراً مألوفاً لدى عامة الناس.

 

الغضب المرضي:

 

هو غضب قوي وشديد ومتكرر يجعل من الشخص المريض سريعا في الغضب مع فقدان التحكم في التعبير عنه بوجهه وصوته وسلوكه ويكون هذا الانفعال الغضبي على أتفه الأشياء و متفاوتً جداً بالنسبة لحجم المشكلة أو لسوء الفهم بحيث أن الغاضب يفقد قواه في التفكير والتحليل بموضوعية ويتخذ قرارات عشوائية انفعالية يندم عليها في وقت لاحق.

 

وهذا الغضب هو نتيجة لاضطراب مزاجي ناجم عن اختلالات بيولوجية للنواقل العصبية التي تنظم استقرار المزاج. ومن الأمراض النفسية التي تكون سببا للغضب المرضي نجد أمراض الاكتئاب و اضطراب ثنائي القطب ذو الدورات السريعة.

 

وبطبيعة الحال هذه الأمراض تعالج بسهولة بوسائل علمية لكن لا يجب أن نستخف بها و نعتبر هذا الغضب الناجم عنها شيءً طبيعياً لأن المريض يتألم داخلياً بشدة وكل محيطه يعيش تحت حالة من الرعب والعذاب.

 

فعلاج الغضب وأسبابه تكون سبب نعمة الحوار الهادئ و حل لمشاكل اضطراب العلاقات الزوجية والعائلية والمهنية والاجتماعية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة