حين يَزل الموظفون المُواطنون..
يونس أعقيد
عندما يُحاسَب أحد القضاة لكونه أصدر تصريحا أو حُكما لصالح طرف دون آخر، أو لأنه أبدى رأيه حول مشروع قانون أصدرته الدولة أو حول سياسة الدولة نفسها ، فهذا لا يجب أن يُفسر بكون القاضي منحازا أو بكونه مفتقدا للأهلية المهنية، وذلك لأنه يبقى اِنسانا قبل أن يكون موظفا لدى ادارة العدل، وكونه انسانا يعني تمتعه بحرية الاختيار والتفكير وبالطموح الذي يدفعه للاجتهاد ومساءلة أصل القوانين من أجل العمل بمقتضاها بكرامة ومصداقية وإلمام أثناء الحكم على مختلف النوازل .
ولكون الطرف الاخر في معادلة النزاع ،وهو وزارة العدل، غير ناضج بشكل يسمح له بتقبل النقد والمساءلة التي تسمح بتطوير الأداء المؤسساتي، فعدم تمكين القاضي من المساهمة في معالجة اختلال منظومة القضاء سيجعله يعاني من تبعات هذا الاختلال وطرفا داعما له ،مما يجعل تعبيره عن أرائه مجرد دفاع عن حقه في رفض الانصياع لمنظومة مختلة الأركان، لأن انتماءه الطوعي لها سيجعله لا محالة عرضة اما للعبث أو للشطط و التغاضي .
الغريب في الأمر هو أن الدولة نفسها لا تلتزم بما تأمر به مواطنيها من حياد ونزاهة. فأن نطلب من موظف الالتزام بواجب التحفظ يجب أن يدعونا لمساءلة الدولة عن مدى احترامها لحقه في التحفظ وعدم المشاركة كطرف مدني في نزاع تمثل الدولة فيه طرفا، والا كان ذلك شكلا من أشكال الإقطاع ومؤشرا على بدائية الادارة. إذ كثيرا ما تستدعي الإدارة موظفين للإشراف على امتحان أو استحقاق ما دون أن تُكبد نفسها عناء السؤال عن رغبتهم أو رفضهم لذلك، خصوصا مثلا حينما يتعلق الأمر بكارثة مثل مباراة التوظيف ب''الكونطرا''، حيث من السخيف أن يشارك أستاذ في حراسة مباراة تهدف الى الضرب في مبدأ الاستقرار المهني لهذا المُوظف المُشرف نفسه، وخصوصا أيضا حين تلتزم النقابات الصمت بشكل يجعل الأستاذ المُشرف غير قادر على رفض الحضور والإضراب عن العمل بشكل قانوني.
وقياسا على ذلك، فعندما لا يتم اعتبار الفرد أو بالأحرى المواطن شريكا في تسيير الشأن العام ،ويتم بدل ذلك التعامل معه كشخص مأمور فقط بإنزال سياسات أو بالتصرف ازاء املاءات معينة في غياب أدنى وسائل التصريف ،هنا نكون قد تركنا الباب مشرعا أمام الارتجال والتصرف الغير المتزن والغير الحكيم ،خصوصا عندما يتعلق الأمر بأخذ قرارات سريعة في ظروف تتطلب استعدادا مسبقا وتكوينا خاصا في التعامل مع ظروف خاصة . وهذا ما يتضح حينما نُسائل أنفسنا عن سبب فشل جل المبادرات الحكومية للإصلاح، اذ نجد معظمها يبدأ بجزئيات الاصلاح عوض البدء بالركائز والأسس.
كما أن الحكمة تقتضي استخلاص العبر ،وذلك بالوقوف على أسباب الخلل الكبرى ،وأخذ قرارات صارمة وشاملة بشأن مختلف النوازل ألجزئية ،عوض ترك النوازل منعزلة ومستدعية لقرارات ارتجالية لحظية وانفعالية من قبيل طرد بضعة موظفين أو سجن البعض الاَخر من أجل اِطفاء نار الفتنة. فكلما كانت مقاربتنا للحوادث والانفلات هيكلية وعميقة في تناولها للحلول نكون قد ضمنا عدم تكرارها ، أو على الأقل التخفيض من تبعاتها المستقبلية.
فلا يكفي اذن التحقيق مثلا في قتلة الضحايا محسن فكري . إذ من الأجدر التحقيق في خروق الصيد ولوبيات سرقة الثروات البحرية، والمتحكمين في ألأسعار وكذا التساؤل عن مدى تطبيق القوانين .فلا يُعقل أن يتقبل المواطن وينصاع لقوانين انتقائية تشمل البعض ،في حين تستثني الكثير من المتجبرين والوصوليين. ولا يمكن أيضا المرور على حادثة اطلاق الرصاص ببني ملال على مواطن بسيط على مرأى من أسرته دون التساؤل عن الحي المذكور ومدى توفر الانارة داخله ،وكذا عن مدى علم الشرطة بتواجد تجار المحذرات والقرقوبي داخل هذه الأحياء المعتمة، وعن مدى كون رجال الشرطة قادرين على التعامل مع هذه الحالات بشكل مهني وفعال أم لا ، وعن تربية رجال الشرطة والحالة النفسية التي يعيشونها. فمن الغريب أن يكون شرطي بتلك القسوة دون أن يكون الوازع وراء اتيانها اما نفسيا أو مهنيا أو ....
ان الموظف أو الأجير يبقى أيضا ضحية داخل كل منظومة ، وبالتالي فان مواقفه وأفعاله وردود أفعاله سواء اتجاه المواطن الذي يمثل أصغر حلقة ذاخل جهاز الدولة، أو اتجاه القائمين عليه من رؤساء وإدارات، تبقى تعبيرا عن مدى نجاعة وفعالية المؤسسة التي ينتمي لها.فالموظف الراشي يعبر بفظاعة عن شح ادارته وتقترها، والموظف الكسول يعبر بشكل أو بأخر عن كثرة الأعباء وقلة الأجر ، والموظف المتكبر أو الفظ يعبر عن فراغ ادارته من الوازع الأخلاقي والخيري ، والموظف الغير المسؤول يعبر بشكل أو بأخر على عدم وجود الاعتراف بالمجهود والاحترام والتقدير الواجبين اتجاهه، والموظف الغير المُتقن لعمله يعبر عن خلو ادارته من تكوينات تتماشى مع الواقع، والشرطي الذي يُطلق
النار بشكل غير احترافي يُعبر عن قصر ادارته عن مواجهة واقع مُتغير وأكثر قُوة، والقاضي الذي يُعبر عن موقفه يُعبر عن ذكائه وعن نَفس أكبر من وَهن الادارة والواقع العدلي المأزوم.
عندما تتعدد الاختلالات بمختلف أروقة الحياة المدنية، فالذي غالبا ما يدفع ثمن الاختلال بشكل أكثر براءة وأبشع قسوة هو المواطن البسيط على براءته من كل هذه الاختلالات.فكفانا ظُلما للأبرياء، وكفانا رقصا على أنغام العبث.وكفى رَب البيت ضربا للطبول.
