التعليم بالمغرب بين شظايا الشيء واللاشيء

التعليم بالمغرب بين شظايا الشيء واللاشيء

يونس أعقيد

 

في الايام القليلة الماضية، لاحظت اهتماما متزيدا للصحافة الأجنبية بموضوع خوصصة التعليم بالمغرب.فبين من يصف المدرسة المغربية العمومية بالآيلة للانقراض أمام زحف القطاع الخاص، وبين من يسائل كون التعليم العمومي موعودا بالتحول الى سلعة، وقفت شارذا والأسئلة تتقاطر بذهني عن حجم الضرر الحقيقي الذي لحق بالمؤسسة العمومية، وعن المسؤول الحقيقي عن هذا التقهقر، وكذا عن مدى صلاحية القطاع الخاص للوقوف كبديل فعال وعادل وشامل للمجتمع المغربي بمختلف شرائحه.

بالأمس القريب، كان المطرودون من التعليم العمومي، اما لشغبهم أو لكثرة تكرارهم، هم الفئة الأكثر التحاقا بالقطاع الخاص. وغالبا ما كانوا يخجلون من البوح بكونهم زبناء لها ، كما أنهم كانوا يُكبدون آباءهم عناء التنقل لمسافات ،بحكم تركز مختلف المؤسسات الخاصة بالمدن الكبرى فقط. اليوم أصبحت المؤسسات الخاصة تنبت سنويا كالفطر بمختلف المُدن الصغرى.وأصبح ''مول الشكارة" ، بصرف النظر عن مستواه الدراسي أو حتى عن أخلاقياته ، هو من يُمول من يتكلف بمراسيم العُرس التربوي، بدءا بتأتيث الفضاء المدرسي وتوفير النقل للتلاميذ وتعيين مُدراء ومُدرسين ،وتتبع وتسويق ،وانتهاءا بالحفلات واللافتات الاشهارية التي تتبجح بالنسب المئوية للنجاح. وقد تجد زبانيته يتصيدون المُدرسين بالمدرسة العمومية وذاخل أروقة الإدارات وأحيانا حتى بالمقاهي، وذلك بُغية توسيع رقعة الزبناء من التلاميذ، في اطار ما يُسمى ب ''ساعات الدعم''، والتي غالبا ما تكون ليلا .

طبعا لا يُمكن لأحد أن يُنكر أن المدارس الخاصة قد أسدت خدمة جليلة بكونها شريكا للوزارة، ولكونها تتميز عن المدارس العامة لأنها تُوفرعلى الآباء، وخصوصا المُوظفين منهم، عناء النقل ، وتُوفر لأبنائهم فضاءا ملائما للتعلم ،بحكم خلوها من الاكتظاظ وتبنيها لمقررات مستوردة من الخارج فيما يخص بعض المواد، وبحكم استفادة التلاميذ ذاخلها أيضا بفترات أطول للتمدرس، وبتعليم جيد الى حد ما في البعض منها ، بفضل عصرنة اساليبها ووسائل عملها،وتوفير البعض منها لتكوينات أكثر كثافة للمدرسين،ولعدد كاف من المُدرسين، بحيث أن التلاميذ بالمستويات الدنيا يحضون بعدد كاف من المدرسين، وخضوع مدرسيها للمساءلة وللتحفيز أكثر ... اذا ما قورنت بالمدرسة العمومية.

كل هذه التجليات لا تعني بالضرورة نجاح هذه المُؤسسات على مستوى المردود التعلمي الفعلي للمتمدرسين، وذلك أولا لعدم وجود مسطرة موحدة لتقويم التعلمات على الصعيدين العام والخاص ،حيث أن الوزارة الوصية لازالت تُمطر أسرة التعليم كل سنة بمذكرات تختلف عن سابقتها في هذا الشأن، وثانيا لأن قياس مستوى تحكم التلميذ لا يُمكن الحكم عليه ظاهريا، بل انه يتطلب الخضوع لتقويم يستحضر تدرج مستويات التعلم من مستوى المعرفة الصرفة الى الفهم ثم التطبيق والتحليل وانتهاءا بالتلخيص والتذوق.

كما أن قراءة بسيطة في فهرس الكتب المُختلفة المسندة لنفس المستوى تُوضح بجلاء خلو الرهانات التعليمية الكُبرى من عنصر الواقعية والقابلية للأجرأة التي لا تقبل التأويل أو الاضافة فيما يخص التقويمات بالقطاعين العام والخاص، اضافة الى أن المؤسسة التربوية المغربية لازالت لم تنجح في ارساء وانزال منهجية يتم على أساسها تقويم مدى تحقق الأهداف التعليمية التعلمية بمختلف المواد الدراسية ، وذلك اذا ما قورنت مثلا بالمنهجية الأوروبية للتقويم، بحيث تُحدد هذه الأخيرة بدقة مضامين التقويم، ومستويات التحكم في الكفايات المنشودة ومعايير الحكم ومؤشرات النجاح عند نهاية كل فترة تعلمية، وأحيانا لدى كل فئة من المتعلمين على حدة.

أما ببلادنا فحتى المبادرة التجديدية التي قامت بها الحكومة من أجل ارساء مقاربة للتقويم وفق بيداغوجيا الادماج، قد تم اجهاضها بعد تعالي أصوات رجال التعليم بعدم صلاحيتها ابان الربيع العربي، بسبب جزئيتها وبُعد رهاناتها عن الاكراهات اليومية لرجال التدريس وللتلاميذ على حد سواء، مما يجعل الحكم على مستويات التلاميذ تبقى غير سالمة من ذاتية الأستاذ، سواء قبل أو أثناء أو بعد انتهاء التكوين.

ومن موقعي كمُمارس ، أرى أن الدولة تتحمل مسؤوليتها في التعامل مع القطاع، حيث لا يُمكن الحُكم على مردودية الاستاذ بشكل مُنصف، وهو يُدرس بحجرات مكتظة عن أخرها بالتلاميذ، ومُفتقدة لأبسط ضروريات التدريس من مختبرات ووسائل سمعية بصرية ومراجع ،كما أن الاصلاح بالتنظير وإقرار بيداغوجيات معينة لن يُؤتي أكله في ظل غياب أرضية مُلائمة لأي اصلاح. ينضاف الى هذا أن الضرب في مبدأ الاستقرار المهني للأستاذ، خصوصا مع غياب المُتابعة والتأطير للأساتذة الذين سيعملون مستقبلا بالقطاع العام ، وعدم قدرة القطاع الخاص على توفير بديل اجتماعي مناسب بعد انتهاء عقدة العمل للمتعاقدين في اطار ما اصبح يسمى بالتعاقد، كل هذا سيجعل الاستاذ بالقطاع العام مُوظفا مُياوما ،وسيضرب عرض الحائط حقه في الترقية والاضراب، كما أنه سيُفرغ عمله من الوازع المهني المفروض توفره.

عندما أصدر البنك الدولي توصياته بعدم اعتبار التعليم قطاعا للتوظيف، فانه لم يستحضر كون الأستاذ المغربي الذي يشتغل بالقطاع الخاص يختلف عن الأستاذ الأمريكي أو الاوروبي فيما يخص الأجر والسكن وظروف العمل وتوفر أساليب العمل ووسائل البحث والمواكبة والتكوين، وكذا فيما يخص حجم التعويضات الاجتماعية قبل وبعد مغادرته للقطاع. كما أنه لم يستحضر كون الاباء والأجراء ببلادنا بالكاد يتمكنون من اعالة أبنائهم، وأن القطاع الخاص يبقى سوقا لاستقطاب أبناء الميسورين فقط.

التعليم اليوم محتاج أكثر من أي وقت مضى لتظافر الجهود، ولوقفة تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة ،بل وحتى الظرفية الاقتصادية، وذلك من أجل اعادة هيكلته وفق منظور يستحضر بشكل عميق الواقع الاجتماعي للمواطن ،ويضمن حقه في الترقي اجتماعيا، باختلاف انتمائه الاجتماعي أو الجغرافي،لأن التاريخ سيبقى هو الفيصل والشاهد على مسؤولية كل طرف، ولأن الحاضر التعليمي لازال يرثي أطلال الماضي،ويضع السؤال تلو الأخر حول المستقبل الضبابي للتعليم ببلادنا.

فهل سيترك الأباء والأساتذة والسياسيون الفرس وحيدا،أم أنهم ينتظرون جميعا استفحال أزمة تلوح خيالاتها في الافق للإسراع بإنزال اصلاحات ترقيعية تنضاف بدورها لتزيد ثوبنا المرقع فوضاوية وبشاعة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة