التنمية الشاملة سبيل نحو تقدم البلدان

التنمية الشاملة سبيل نحو تقدم البلدان

مولاي علي الإدريسي

 

حينما يتحدث الكثير عن التنمية لا يتم الاٍحاطة بكل ما يتعلق بهذا المصطلح الفضفاض ولا يتم ربط الشيئ المعالج والمعني بالتنمية بكل القضايا المرتبطة بها حتى يتسنى ملامسة ومقاربة ضروريات البحث والتحليل والمعالجة في شكلها المتكامل ..ذالك أن كل واحد يقتصر على تخصصه أو مجال درايته الخاصة أو ما يعتبره مناسبا حسب رأيه الخاص أو ما تتطلبه تلك المنطقة أو هذه من مطالب آنية ومرحلية لسبب مستعجل أو اٍضطراري وهذا ما يجعل سبل حصول تنمية حقيقية ضعيفة وبعيدة المنال بل وقد تؤجل لا لصعوبة تحقيقها بل لغياب دارسين ومهتمين ومخططين ومسؤولين أكفاء واٍرادة سياسية حازمة و بنظرات شمولية وموسوعية في البحث العلمي والمعرفي اللازمين والمناسبين لموضوع التنمية ..

هنا تأتي التنمية الشاملة مفتاحا للبحث والدراسة والمباشرة النظرية والتطبيقية اٍذا ما علمنا أن كثيرا من الدول الحديثة نهضت بسرعة البرق ولم يتطلب نموها وتقدمها وقتا طويلا ولا برامج معقدة مستوردة من الغرب ولا موارد ثرواتية ضخمة ولا أشكال من الحكم المعينة بل بواسطة ما كان حاضرا فيها من طاقات فكرية واٍرادات سياسية وطنية خالصة وسواعد مواطنيها وعزيمتهم وعدم اٍقتران مبادراتهم بالخوف ولا التردد ولا الاٍتكال ولا المجازفة .بمجرد البدء في العمل كان النجاح أمام أعينها والتحدي طاقتها والصمود والاٍعتزاز بالذات والوطن محركها الرئيسي ومن بين هذه الدول فلندا والصين واليابان والكوريتين وماليزيا والنرويج وتايوان وأستراليا وكندا وسنغافورة وغيرها مقارنة مع الدول العربية والاٍسلامية والدول الأخرى الرازخة تحت مسميات غير مسمياتها الأصلية التي لها من الثروات والخيرات ما لا يعد ولا يحصى لاسيما من المعادن النفيسة والبترول والبحر والفلاحة والموارد البشرية الهائلة اٍلا أنها لاتزال في نظر العالم من الدول المتخلفة والسائرة في طريق النمو اٍستخفافا بها وتحقيرا لها ولعل السبب الأكبر في ذالك أيضا هوأنظمة الحكم فيها التي عوض الاٍعتزاز بتقدم وتطور بلدانها غير أنها ترى في ذالك تهديدا لمكانتها ووجودها ومصالحها الذاتية النرجسية حتى عادت سلامة الأنظمة رهين بتخلف شعوبها وتأخرها وفقرها وبالتالي عزلها عن أية قوة علمية أو صناعية أو مادية من شأنها أن تحولها اٍمصاف البلدان المتقدمة والمتطورة .. .

يذكر الدكتور علي القاسمي في معرض حديثه عن أسرار التنمية اٍبان زيارته لفلندا تحت عنوان عوامل التقدم في كلمة للرئيس الفلندي كويفستو الذي يبين مفاتيح وأسباب التقدم الذي أحرزته بلاده حيث حصرها في ثلاثة مفاتيح وهي

- مستوى رفيع من التربية والتعليم .

- اٍستخدام التكنولوجيا المتطورة في العمل والاٍنتاج .

- الاٍلتزام بالديموقراطية منهجا وسلوكا .

ولعل الزائر لذالك البلد سيرى التقدم والتطور والرفاهية في كل ربوع فلندا وتلك أحوال كل الدول المذ كورة سالفا والتي اٍنطلقت من ذاتها مع الاٍستفاذة من غيرها في الوسائل والميكانيزمات بالرغم من ضعف الاٍمكانيات المادية مقارنة مثلا بالبلاد العربية والبلاد الأخرى كبلدان شمال اٍفريقيا وكلها بلدان غنية معدنيا وبحريا وفلاحيا وبشريا لكن متخلفة وسائرة في طريق النمو منذ قرون من الزمن بسبب السياسات الاٍقتصادية والاٍجتماعية والفكرية الدوغمائية الممنهجة في تاريخها الطويل ..

وحسب الدكتور قاسمي ''فأسباب تخلف هذه البلاد رهين بمعدل التنمية الشاملة التي تقاس على حسب ثلات مجالات أساسية وهي تمتع الأفراد بصحة جيدة و التي تقاس بمعدل العمر المتوقع للفرد ثم اٍنتشار المعرفة الذي يقاس بمستوى التعليم بين الراشدين وبمعدل الاٍلتحاق بالتعليم الاٍبتدائي والتانوي والعالي والعنصر الثالت مستوى المعيشة الذي يقاس بدوره بمعدل الدخل الفردي.. ذالك أن التنمية الشاملة تستدعي تنمية اٍقتصادية تتمثل في زيادة الاٍنتاج وتنمية سياسية وثقافية واٍجتماعية عبر التوزيع العادل للثروة وتحسين نوعية الحياة لكل المواطنين واٍعتبار الاٍنسان أداة وهدفا ومحور نشاطها وعنايتها لتحقيق الرفاه الاٍجتماعي من خلال اٍشباع حاجيات الناس من سكن لائق وغذاء متوازن وتعليم ورعاية صحية وضمان اٍجتماعي وخذمات ترفيهية ومحاربة الحرمان الذي يسبب في قصر الأعمار واٍنتشار الأمية'' والفقر ويهدد السلم الاٍجتماعي

وهنا تتداخل التنمية البشرية الشاملة مع التنمية المستدامة التي تعنى بالتأثير الاٍيجابي للمحيط الاٍجتماعي في المحيط الحيوي هذا الأخير الذي يشمل الأرض والماء والهواء حيث لن تتحقق أية تنمية شاملة اٍذا ما أثر البشر على محيطه الحيوي بشكل سلبي وأدى ذالك اٍلى مشكلات بيئية كثلوت الهواء ومجاري المياه والتصحر وتناقص الأشجار والمساحات الخضراء وكل ما يربط الاٍنسان بمحيطه الحيوي ..ويشير علي القاسمي بأن التنمية المستدامة تدعو اٍلى تلبية حاجيات الاٍنسان في الحاضر دون عرقلة قدرات الأجيال المقبلة على تلبية حاجياتها وهذا يتطلب التوفيق بين مزاولة النشاط البشري والحفاظ على البيئة لاٍتاحة الفرصة اٍستمرار وجود الاٍنسان ورفاهيته ..

اٍن التنمية لا يمكن أن تكون بمعزل عن الاٍنسان ومحيطه وهي شاملة ومستدامة وحيوية ولتحقيقها ينبغي الاٍحاطة بكل المعطيات الاٍقتصادية والسياسية والاٍجتماعية والتقافية والبيئية واٍعتبار الاٍنسان هدفا وغاية في المعادلة من أجل رفاهيته بما لديه بعيدا عن الشفقة عليه أو عونه أو التصدق عليه بحقوقه الكونية والاٍنسانية اللازمة ...وبعيدا عن تأجيل سعادته واٍسعاد أبناءه وأحفاده القادمة

بسبب سياسات اٍقتصادية وسياسية وتقافية فاشلة يكون الهدف منها تأخره واٍضعافه ماديا لتسهيل اٍخضاعه وخنوعه وتقبل السياسات التقشفية والمخططات الهيكلية والتسويفية لبناء مجتمع متخلف يبقى كل عقد من الزمن بل ولقرون أخرى وهو سائر في طريق النمو ليبقى المواطن يردد العين بصيرة واليد قصيرة ...

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة