مغرب الفقر والإجرام والعنف والسجون والمساجد
حسين فاتش
خلال الأسبوع الفارط أوقفت العناصر الأمنية بحي البرنوصي بالدار البيضاء شابا في العشرينيات من العمر، بعد مطاردة هوليودية عبر الدروب والأزقة، وذلك على إثر فشل محاولة هذا الأخير إضرام النار في جسده بباب العمالة؛ المثير في أمر هذا الشاب، أنه بعد تنقيطه تبين أنه صاحب أزيد من ثلاثين سابقة قضائية، بمعنى أنه واظب على الدخول والخروج من وإلى السجن مرة كل سنة بدءا من سن الرضاعة، وتكون المدد الزمنية التي عاشها في المخافر وفي السجون تزيد عن عمره بمعدل واحد فاصلة ثلاثة، وهذه النسبة في نظري ترشحه لدخول سجل ڭينس للأرقام القياسية.
في كل يوم تسجل حوادث اعتداء بالسيوف من طرف مجرمين على ضحايا أبرياء بهدف سلبهم أمتعتهم وأموالهم، كذلك الاعتداء الذي تعرض له القابض بمحطة الأداء بالطريق السيار ببرشيد، الذي أصيب بجروح عميقة على مستوى الرأس؛ ولا تخلو الشبكة العنكبوتية كل يوم من تداول فيديوهات لمشرملين يوغلون في جرح وقتل أبرياء من بسطاء المواطنين، لتحصيل مسروقات لا تتعدى قيمتها في مطلق الأحوال دريهمات معدودة.
المارقون من الفقراء يسرقون أضعفهم وأقلهم قدرة على الدفاع عن أنفسهم، كحالة ذلك الرجل من آسفي صاحب العربة المجرورة بالحصان، الذي اختلف مع حداد حول دريهمات لاستصلاح حوافر حصانه، ليدخلا في سجال حاد نتج عنه عنف أدى لمقتل الحداد من طرف صاحب العربة بطعنة غادرة.
تتنامى ظاهرة العنف المؤدي لإزهاق الأرواح في أوساط الفقراء وحدهم في وقت تبقى فيه طبقة الأثرياء والمترفين بعيدة عن أن تطالها آفة التشرميل أو الاعتداءات بالسيوف والسواطير، لأن الأغنياء المغاربة لا يركبون الدراجات الهوائية ولا يسوقون العربات المجرورة بالدواب ولا يسوقون التريبورتور الصيني ولا يركبون حافلات النقل الحضري المهترئة ولا يقفون لساعات في انتظار مجيئ الطرام تحت جنح الظلام، حيث يقعون فريسة سهلة للصوص والمنحرفين.
يبقى السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو: ما الفائدة من تدوير البشر عبر ملء السجون عن آخرها بآلاف الشباب والكهول ممن يحترفون الإجرام، ليطلق سراحهم ويعودون لممارسة نفس الأنشطة الإجرامية التي دخلوا السجن بسببها؟ إنه الدوران في حلقة مفرغة الذي يجعل من المؤسسات السجنية آلة جهنمية لفبركة المجرمين وتطوير طرق وأساليب ممارسة أنشطتهم، مادامت تلك المؤسسات الإصلاحية بالمغرب يقتصر كل دورها في وضع النزلاء خلف القضبان وسلبهم حريتهم لمدد سجنية قد تطول وقد تقصر، ينصهرون خلالها في مجتمع متمرد، ناقم ومتعطش للانتقام ولتصفية الحساب مع الآخر، و لا تملك تصورا لما يجب أن يكون عليه النزيل بعد قضاء مدة محكوميته واسترجاعه لحريته، وما يجب أن يتلقاه من تكوين مهني وسيكولوجي يعيد ترميم شخصيته و يتيح له إمكانية ولوج عالم الحرية وقد تخلص من فكرة الرغبة في الانتقام من ظلم ذوي القربى وغيرهم.
ثم ما الفائدة من زحف المساجد على كل شبر من الدروب والأحياء الهامشية الفقيرة، إذا كانت دور العبادة تلك لا تملك الأدوات الأيديولوجية ولا الإشعاعية القابلة لاختراق عقل محيطها من الرواد وتوجيههم توجيها إسلاميا يقيد سلوكهم ويحقنه بالمناعة اللازمة ضد الانزلاق في مطبات السكر وتناول الأقراص المخدرة، وكل ما من شأنه أن يلعب بالعقول ويضعها في سكة ولوج عالم الجريمة والانحراف.
الجريمة والعنف بالمغرب بلغا حدودا لا يمكن التكهن بمستوياتها مادام المغرب يفتقر لمؤسسات استقصاء الرأي، ولأخصائيين في تناول هذه الظاهرة الغريبة على قيمنا وعلى ثقافتنا، بالدرس والتحليل أمام تغييب دور علماء الاجتماع والاختصاصيين في مجال الطب النفسي، فكل ما نسمعه عن المجهودات التي تبذلها الدولة في مواجهة هذه الآفة الخطيرة لا يعدو إعطاء أرقام عن أعداد من يتم توقيفهم من حملة الأسلحة البيضاء من طرف الشرطة، أما عن مؤشر الإجرام والقتل فمتروك لما يحبل به المستقبل المنظور والبعيد...
