دروس وعبر -1-

دروس وعبر -1-

رضوان بنصار

 

كأي طالب مغربي وطأت قدماه أول مرة الحرم الجامعي،يجد نفسه مفعما بالحيوية والرشاقة الجسمانية، و الحضور الذهني القوي، مع حس عاطفي مرهف، إلى حد ما، جراء تأثره وتفاعله مع مجموعة من الشعارات والخطابات الطلابية، التي تشعبت وتعددت مشاربها، إلى درجة نحس أننا صرنا بمثابة موسوعة فكرية ومنقذين للبشرية جمعاء، نتيجة ما راكمناه كطلاب من تجارب جامعية ،وما جادت به علينا المحاضرات العلمية والحلقيات الطلابية من نظريات فلسفية واقتصادية وسياسية... تجعلنا نتعامل مع الواقع المعاش بروح نقدية تواقة إلى التغيير ونشر الفضيلة ،وبين الفينة والأخرى ،يصبح الحرم الجامعي حلبة للصراع الدموي بين الفصائل الطلابية، الذي كانت تغذيه وتؤطره أطراف من خارج أسوار الكليات والجامعات لسببين ، السبب الأول: جعل الحياة الجامعية كلها اضطرابات وفتنا، تعرقل السير العادي للدروس والمحاضرات ،بغية التقليص من عدد النخب ، والسبب الثاني: خدمة أجندات سياسية وحزبية،إذ من خلال التجييش الطلابي الذي كانت تنهجه بعض الأحزاب السياسية داخل الحرم الجامعي، والذي كانت تراهن عليه في مسألة بقائها حية ، وفي نفس الوقت ،تكرس على أرض الواقع منطق الغاب “ البقاء للأقوى “، فكل فصيل طلابي مثلا، سواء كان يمينيا أو يساريا ،قاعديا أو "حمضيا" ،لا يهم ، يحاول أن يدافع بكل ما أوتي من قوة من أجل إقناع وإفحام باقي الفصائل الأخرى، التي يختلفون معها إيديولوجيا وفكريا، ونحن آنذاك كطلبة" اللآ منتمون" ،تتجاذبنا تارة الأفكار الماركسية واللينينية، وتارة أخرى نتعاطف مع الحركات الإسلامية، أو نستسلم في آخر المطاف لرغباتنا ونزواتنا “ وللعشق الممنوع “ ،طالما أننا أصبحنا نعيش تحررا نفسيا ومجتمعيا، نظرا لبعدنا بعشرات الكيلومترات عن بيوتنا التي تعودنا فيها على نمط عيش محافظ ومتزن ، فالتكوين الجامعي أو الحياة الجامعية بصفة عامة، مرحلة مهمة في تكوين شخصية الطالب أو رجل الغد ،ولكن ما كنا نأسف له هو العَوز المادي الذي عشناه طيلة المرحلة الجامعية ،والذي كان مصدره المنحة أو“ المحنة “إن صح التعبير، التي كانت تصرف لنا كل ثلاثة أشهر،بمعنى أننا كنا نحاول، قدر الإمكان، أن نُوَفق في تدبير حياتنا ومتطلباتنا اليومية، والمتمثلة في المأكل والمشرب والملبس ،والنسخ ،وسومة الكراء... بمعزل عن الأهل ، ومع ذلك كنا بين الفينة والأخرى، نطلب الدعم المادي والعيني من أسرنا المتواضعة، بينما هناك شريحة طلابية مهمة لم تُصرف لها المنح الدراسية، لدواعي ولأسباب موضوعية وغير موضوعية في نفس الوقت، ما دفعها إلى تحمل إكراهات و تَبعات السفر اليومي، أو متابعة الدراسة عن بعد، وذلك بالتنسيق مع الطلبة المواظبين على الحضور للتزود بالدروس والمستجدات ، وهناك من الطلبة من كان عائقه المادي سببا في هُجْرانه حلقات الدرس ،والانقطاع تماما عن الدراسة، وعلى كُلّ، فهذا العَوز المادي كانت له سلبيات و إيجابيات جمة ،حيث جعلنا ننطوي على أنفسنا، ونفكر ونخطط على قدر الدريهمات التي بحوزتنا ،أي “ حَدُّو قَدوُّ “ وإلاَّ كنا سنصادف منعرجا خطيرا يلقي بنا في الرذيلة، وفيما لا يحمد عقباه إجمالا، فمعظم أمتعتنا وحقائبنا مثلا ، كنا نصطحبها معنا إلى المدرج الجامعي كل صبيحة يوم الجمعة، ومنها إلى المحطة الطرقية مباشرة ،إيذانا بنفاذ المصروف الأسبوعي والدخول في مرحلة التقشف واللاعودة ،بدليل إقبالنا المفرط في اليومين الأخيرين من كل أسبوع دراسي على الإكثار من تناول القطنيات بمختلف أنواعها ، غذاء وعشاء ،إلى أن أصبنا بالقبض ،وبالمعي الغليظ والرقيق، أو اللجوء إلى وجبة لا يحسن إعدادها إلا الطلبة الذين استقروا بالأحياء الجامعية، أو تكدسوا في بيوتات مخصصة للكراء، وهي “ البيض بالطماطم “ أو ما يصطلح عليها بلغة السيارات “ بِي، إِمْ “ ومع ذلك كنا حريصين كل الحرص على تحصيل النتائج الجيدة، التي سنسأل عنها من طرف أهلينا، الذين حملونا مسؤولية مقارعة الحياة، مع منحنا هامشا من الحرية الذي يجب أن نستغله أحسن استغلال، وإلاَّ سيخيب

 

ظنهم فينا، إذا ما حدث العكس،وعلى أيّ، تبقى التجربة الطلابية تجربة فريدة من نوعها ،استحضرنا منها النزر القليل ، ولكن تبقى التساؤلات المطروحة والمشروعة بالنسبة للطلبة ما بعد مرحلة الإجازة هي كالتالي :هل كل ما تلقاه الطالب الجامعي من علوم ومعارف، وأفكار فلاسفة عصري النهضة والأنوار قابلة للتحقيق والممارسة؟ ،هذا من جهة، ومن جهة أخرى هل تكوينهم العلمي الرصين سيمكنهم من ولوج الوظائف بسلاسة ،دون اللجوء إلى عبارة “ بَّاكْ صَحْبِي “ ؟، وهل الفضاء الجامعي اليوم بكل مكوناته يساعد على تمرير الخطاب العلمي في أحسن الظروف؟ هل الجامعات المغربية اليوم قادرة على إنتاج النخب ؟ فكل هذه الأسئلة أو الإشكالات تبقى مطروحة ،والإجابة عنها هي الأخرى تبقى معلقة ،ولكن ما يهمنا في هذا المقام هو أن يستخلص كل طالب أو طالبة الدروس والعبر من التجربة الجامعية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة