الإمارة والتجارة والبيصارة
بقلم : أحمد ابن الصديق
الإمارة والتجارة، والشعب ياكل البيصارة !!
هذه الكلمات البسيطة والمعبرة شكلت يوم 20 فبراير 2011 أحد الشعارات التي رددها المواطنون وخاصة الشباب خلال وقفات الاحتجاج بالدار البيضاء وهم يعبرون سلميا عن رغبتهم الطبيعية في طي صفحة الاستبداد و الفساد و المضي سريعا نحو الديمقراطية و الكرامة دون حاجة لإراقة الدماء و لأعمال عنف، فأشهروا الورقة الصفراء عسى أن لا يضطروا في المقبل من الأيام أن يشهروا البطاقة الحمراء. وطبق البيصارة طعام لذيذ وجميل نابع من الطبخ المغربي الأصيل، ارتبط ولا يزال في المخيلة الجماعية التي قليلا ما يخطئ حدسها بالبساطة والقناعة والصفاء، وهو نموذج الطبق الذي يقبل عليه البسطاء أصحاب الدخل المتواضع البعيدين عن التكلف في المأكل والملبس وحتى الشعارات.
قبل ذلك بيومين، كان موضوع الفصل الضروري بين واجبات الحكم وممارسة النشاط الاقتصادي والتجاري أحد أبرز المحاور التي ناقشتها الندوة التي نظمتها جريدة "أخبار اليوم" بالرباط حيث أجمع المحاضرون على اختلاف قناعاتهم أن ممارسة العمل التجاري من طرف رئيس الدولة عن طريق شركاته المتعددة أمر مسيئ له وللوطن والمواطنين. وهذا أمر بديهي لأن صاحب السلطة الأولى لا يستطيع أن يكون محايدا إن كانت له مصالح تجارية ولا يستطيع أن يقف على نفس المسافة من باقي المواطنين إن ربطته صفقات تجارية مربحة مع البعض و منافسات مع البعض الآخر. لا يستطيع أي حاكم أن يكون منصفا إذا جمع الإمارة والتجارة، و لو كان صارما ومستقيما و حذرا فإن الشبهة تبقى حاضرة لن تتبدد في أذهان الناس وهي كافية وحدها ليكون الفصل التام بين الحكم و التجارة ضرورة لا جدال فيها.
لقد رأينا كيف أدى زواج السلطة والمال في تونس ومصر إلى الطغيان والظلم و تقزيم القضاء و إخضاع الإعلام فانهار النظام الحاكم بأكمله لأن الشعوب أهينت كرامتها و نهبت ثرواتها لما وصل الضغط درجة لا تطاق.
قبل أكثر من ستة قرون خصص ابن خلدون فصلا كاملا من مقدمته الشهيرة لهذا الموضوع بعنوان: " في أن التجارة من السلطان مضرة بالرعية ومفسدة للجباية"، ومما يقول: "فأولا مضايقة الفلاحين و التجار في شراء الحيوان والبضائع وتيسير أسباب ذلك فإن الرعايا متكافئون في اليسار متقاربون، ومزاحمة بعضهم بعضا تنتهي إلى غاية موجودهم أو تقرب، وإذا رافقهم السلطان في ذلك وماله أعظم كثيرا منهم فلا يكاد أحدهم يحصل على غرضه في شيء من حاجاته و يدخل على النفوس من ذلك غم ونكد، ثم إن السلطان قد ينتزع الكثير من ذلك إذا تعرض له غصبا أو بأيسر ثمن إذ لا يجد من يناقشه في شرائه فيبخس ثمنه على بائعه." إن هذه الحتمية التاريخية تنبع من طبيعة البشر التي لا تتغير في علاقتها مع السلطة والمال، فيصبح الجمع بينهما منبعا للكثير من الغم والنكد.
كيف يكون موقف ابن خلدون اليوم لو استفاق من قبره فوجد نفسه مرة أخرى بالمغرب فألقى نظرة على تقارير هيئات حماية المال العام وشيئا من وثائق ويكيلكس حول الفساد السياسي والمالي، ثم فتح بما معه من دنانير حسابا في التجاري وفابنك، و اقتنى سيارة بوجو، و أخذ هاتفا نقالا بنفسجيا من إينوي، فإذا احتاج الغذاء اشترى السكر والزيت والحليب من أسيما، فإذا أحد الشباب يخبره أن جل حركاته و سكناته ومعاملاته تنتج في آخر المطاف شيئا من الأرباح يجنيها السلطان.
لا شك أن ابن خلدون سيبادر إلى فتح صفحة على الفايسبوك و يدعو لمواصلة الاحتجاجات السلمية المشروعة التي انطلقت يوم 20 فبراير إلى أن يتم ترسيم و تفعيل مبادئ الحكامة المسؤولة عبر دستور جديد و تعاقد جديد و يتم الفصل التام بين الإمارة والتجارة والاستجابة لمصلحة الوطن ومصلحة الملكية نفسها، والإذعان الحكيم لمنطق التاريخ دون عناد، فهذه مطالب مشروعة لا ارتجال فيها ولا ديماغوجية.
لقد أصبح الوعي المتزايد لا يقبل توقيع الشيكات على بياض لمن يحكم، ولا يستسيغ القرارات المزاجية، و التعيينات في المناصب الكبرى التي توجهها المصالح الشخصية والمكافأة على الصفقات المتبادلة. هذه تصرفات أنتجتها عقلية أوشكت أن تصبح في ذمة التاريخ، واليوم عهد الحقوق والواجبات، والاحترام المتبادل بدل العشق والهيام، وثقافة المحاسبة والشفافية وضبط الصلاحيات و رفع الرؤوس بدل إذلال الرقاب، كما أن قاموس التعلق بالأهداب و خدمة الأعتاب، و الالتفاتات المولوية والتملي بالطلعة البهية، هذا القاموس أصبح يسيئ للجميع و يبعث على السخرية. عندما تنخرط البلاد في إصلاحات حقيقية جوهرية وتتبلور ملامح ديمقراطية حقة، تحفظ للملك مكانته الرمزية كضامن لسير المؤسسات و يا لها من وظيفة كبرى، و يقف أمام عدالة مستقلة كل من استغل نفوذه باسم الملك وتلاعب بالمؤسسات لأجل الاغتناء، عندئذ فقط يستطيع الشعب والملك أن يتقاسما دون توجس ولا غم ولا نكد طاجينا من البيصارة الساخنة ويصبان عليه الزيت شريطة أن لا تنتجه ضيعات الملك، ثم يتبادلان الحديث والضحك العفوي النابع من القلب وهما يشربان الشاي بالنعناع شريطة أن لا يكون السكر قادما من مصانع الملك، لأن المغرب أكبر وأجل من أن يكون رمز سيادته بائع الزيت والسكر.
و بالصحة البيصارة.
