ألبوم 20 فبراير
توفيق بوعشرين
حمل شاب في تظاهرة أمس في الرباط لافتة تقول: «أنا لست خارج القانون.. القانون هو الذي يوجد خارج المجتمع»، وحمل آخر ورقة كتب عليها: «لا لدولة السلطان.. نعم لسلطان الدولة»، فيما سخر ثالث من مفارقات الواقع المغربي بكتابة الجملة التالية: «كل شيء موجود في المغرب: الحكرة، النهب، الفساد، والمجتمع الديمقراطي الحداثي»، آخر حمل فوق صدره لافتة تقول: «حذار من بلطجية الإعلام»، وتحت هذه العبارة باللون الأحمر: «نريد دستورا ديمقراطيا هل هذا مستحيل؟». شابة أخرى حملت لافتة مكتوبة بالفرنسية تقول: «pour vivre sur terre.. la liberté est nécessaire»، وتحتها توقيع 20 فبراير.
حمل شاب في تظاهرة أمس في الرباط لافتة تقول: «أنا لست خارج القانون.. القانون هو الذي يوجد خارج المجتمع»، وحمل آخر ورقة كتب عليها: «لا لدولة السلطان.. نعم لسلطان الدولة»، فيما سخر ثالث من مفارقات الواقع المغربي بكتابة الجملة التالية: «كل شيء موجود في المغرب: الحكرة، النهب، الفساد، والمجتمع الديمقراطي الحداثي»، آخر حمل فوق صدره لافتة تقول: «حذار من بلطجية الإعلام»، وتحت هذه العبارة باللون الأحمر: «نريد دستورا ديمقراطيا هل هذا مستحيل؟». شابة أخرى حملت لافتة مكتوبة بالفرنسية تقول: «pour vivre sur terre.. la liberté est nécessaire»، وتحتها توقيع 20 فبراير. فتاة صغيرة أخرى حملت لوحة كرتونية في البيضاء كتبت فوقها: «ماتقيش بلادي، إوا ماتسرقش خير بلادي». فتاة أخرى متحررة في طريقة لباسها على الأقل تحمل لافتة عليها صور عائلة الفاسي وتحتها تعليق مكتوب على الشكل التالي: «لوحة طوييييييييييييلة». لافتة أخرى تقول: «نرفض أي تعديل حكومي.. نطالب بإسقاط الحكومة والبرلمان وبدستور جديد»...
هذه بعض صور ألبوم حركة 20 فبراير في أكثر من مدينة.. شعارات مكتوبة بالعربية والفرنسية والإنجليزية والأمازيغية تقول كل شيء. مضامينها يسارية وليبرالية وإسلامية ونقابية ولغوية وإعلامية.. إنه مجتمع يتحرك، وحركته لا تحتاج إلى قراءات وتحليلات كثيرة، تتطلب فقط إحساسا قويا بأن هناك شيئا جديدا في رحم هذا المجتمع يتشكل، فهل ستكون الدولة هي القابلة التي تعتني بهذا المولود وتسميه وتنظم له حفل عقيقة وتتبناه، وتسجله في الحالة المدنية كأحد أبنائها، أم ستكون الدولة هي ذلك الطبيب الذي يخرق ميثاق قسم أبوقراط ويجهض هذا الحمل بلا رأفة ولا شفقة.
لا يبدو أن صور هذا الألبوم تصل بنفس الوضوح إلى شاشة السلطة، فأخطر ما سمعناه على مدار الأسبوع الماضي من أحد المؤثرين في القرار التحليل التالي: «ما يجري في تونس ومصر وليبيا خطة أمريكية لزعزعة استقرار عدد من الدول كانت موضوعة على الأجندة الأمريكية منذ مدة. انظروا من حولكم، مازالت حكومة بنعلي هي التي تحكم، وفي مصر البلاد سقطت في يد الجيش، وفي ليبيا الإسلاميون يسيطرون على عدد من أجزائها. لا توجد ديمقراطية ولا هم يحزنون»، وعندما سألناه عن المغرب واحتمال انتقال العدوى إليه، قال: «المغرب في مأمن من كل هذا، لقد شرع في الإصلاحات منذ 10 سنوات، واحتجاجات الفيس بوك مجرد موضة سرعان ما ستنطفئ، حتى الشعارات التي رفعت ضد البام وضد عدد من رموز الدولة هي شعارات مدسوسة من عناصر نعرفها.. غرضها التأثير النفسي لا أقل ولا أكثر»...
أتمنى ألا تأخذ الدولة بهذا النوع من التحليلات، أو على الأقل أن تستمع إلى تحليلات أكثر واقعية وعقلانية لفهم لما جرى.
التحليل إياه مبني على نظرية معروفة اسمها نظرية المؤامرة، وهي نظرية تقدم تفسيرا خرافيا للأحداث يعفي العقل من التفكير والإرادة من العمل. إن الشباب الذين قتلوا في تونس العاصمة والقاهرة وطرابلس وصنعاء والمنامة لم يتلقوا sms على هواتفهم النقالة من سفارة أمريكا ليخرجوا إلى الشوارع وصدورهم عارية أمام رصاص بنعلي ومبارك والقذافي. إن الذين خرجوا إلى الشارع فعلوا ذلك لأنهم لم يعودوا يطيقون الظلم والفساد والديكتاتورية في بلدانهم، وتدخل واشنطن على الخط لترتيب أوراق مصالحها فوق الخارطة الجديدة، التي ترسم في العالم العربي، أمر طبيعي ولا يعني أنها تحرك الشعوب كما لو أن هذه الشعوب كراكيز. إن ما يعيشه العالم العربي موجة متأخرة من الديمقراطية كان يجب أن تنطلق قبل 20 سنة عندما انهار جدار برلين، وسقطت الثنائية القطبية التي كانت الأنظمة الاستبدادية تختبئ وراءها لتأجيل الإصلاحات الديمقراطية بدعوى الولاء إلى الشرق أو الغرب.
إن العولمة التي جعلت من العالم قرية صغيرة تنتقل فيها الصور والأخبار والقيم وأنماط التفكير بلا حواجز جغرافية أو لغوية أو دينية.. إن هذه العولمة كان لا بد أن تؤتي أكلها على أرض الواقع، وأن تجرف أشجار الاستبداد التي أصبحت ضد منطق العصر. هذا، باختصار، ما يفسر خروج شباب اليوم إلى الشوارع للمطالبة بالتغيير، وهو تغيير لن تستفيد منه أمريكا قدر استفادتها من حلفائها التقليديين المجندين خلف خططها ومصالحها حتى ولو كانت ضد مصالح شعوبهم.
