بداية ولكن...
علي أنوزلا حمل الخطاب الملكي الذي وعد بإصلاحات ديمقراطية عميقة الكثير من الوعود، وغذى الكثير من الآمال، تماما كما حصل يوم تولي الملك محمد السادس الملك عام 1999، لكن مع مرور الأعوام تبين أن الكثير من تلك الوعود كانت مجرد حملة إعلانية كبيرة للتقعيد لشرعية العهد الجديد. لذلك عندما استتب الأمر والحكم للملك اليافع، بدأت سنوات الردة، كما سماها حسن أوريد، الناطق الرسمي السابق باسم القصر الملكي، والمؤرخ الرسمي السابق للملكة المغربية. وبدا أن كل "الإشارات القوية" التي أطلقت في بداية "العهد الجديد" لم تكن سوى جرعات تخدير قوية لإبطال مفعول الانتظارات الضاغطة التي فرضتها وضعية الانتقال من عهد إلى آخر. حزمة الإصلاحات الكبيرة التي أعلن عنها الخطاب الملكي، ما كانت لترى النور لولا تظاهرات 20 فبراير، والتي لم تكن تجرأ لتخرج هي الأخرى إلى شوارع المدن والقرى المغربية لولا الثورات التي عرفتها وتعرفها دول عربية. لذلك فما جاء في الخطاب الملكي يجب أن يكون البداية لما هو آت، ولا يجب التسرع في الحكم عليه قبل تنزيل نتائجه على أرض الواقع. فتعديل النصوص ليس غاية في حد ذاته، وإنما تطبيق هذه النصوص على أرض الواقع هو الذي يعطيها روحا ومعنى. فالدستور الحالي مثلا، يمنح للوزير الأول الحق في اقتراح الوزراء على الملك قبل تعيينهم، وقد رأينا كيف أن هذا البند على بساطته ورغم طابعه الشكلي والبروتوكولي، لم يكن يحترم حتى في تعيين وزراء على رأس حقائب وزارية عادية. كما أن توصيات هيئة "الإنصاف والمصالحة" التي نص الخطاب الملكي على دسترتها، سبق للملك نفسه أن صادق عليها في احتفال رسمي ومع ذلك ظلت مجرد حبر على ورق. وقد رأينا جميعا كيف أرسل رئيس "المجلس الملكي الاستشاري لحقوق الإنسان" الذي كلف بمتابعة تنفيذها، إلى التقاعد بدون سابق إنذار ودون أن يفسر للرأي العام سبب التخلي عنه وهو الذي حول مجلسه إلى مجرد غرفة تسجيل لترديد بيانات الشجب والإدانة ضد الصحافة الحرة والجمعيات الحقوقية المستقلة، وحول ساحة باب لعلو، حيث يوجد مقر المجلس، إلى مكان لاحتجاج المظلومين ومقر لاعتصام رفاقه من قدماء المعتقلين السياسيين. لذلك سيكون من حقنا أن نخشى أن لا تكون فترة ثلاثة أشهر التي منحت للجنة إصلاح الدستور مجرد مسألة وقت إضافي في انتظار تهدئة النفوس... ودون أن نقلل من حمولة الخطاب الملكي الذي حمل بين طياته الكثير من النيات الحسنة، إلا أن الكثير من "الإشارات القوية" التي صدرت عن المؤسسة الملكية في السنوات العشر الأخيرة وكانت وراءها نيات حسنة، لم تكن كافية لتحول دون تراكم بركان كل هذا الغضب الذي رأينا دخانه في الشارع يوم 20 فبراير. فالخطاب لم يتحدث صراحة عن صلاحيات الملك، وعن الفصل 19 الذي يعتبره فقهاء الدستور "دستورا قائما بذاته" داخل الدستور الحالي. ولم ترد في الخطاب الكلمة السحرية لمفهوم "الملكية البرلمانية" التي رفع شباب 20 فبراير شعارات تطالب بإقرارها. إن الأيام المقبلة ستكون الأصعب، لأننا سنشهد الكثير من المزايدات من قبل أحزاب صمتت دهورا طويلة، ومن قبل إعلام رسمي وشبه رسمي مستعد لبيع جلد الدب حتى قبل أن يتم اصطياده... إن ما دفع السلطة في المغرب إلى تبني بعض مطالب 20 فبراير هو ضغط الشارع، لذلك وحتى تتحقق هذه المطالب على أرض لواقع يجب أن يستمر الضغط لما بعد د20 مارس وفاء لروح فدوى العروي ولأرواح كل شهداء 20 فبراير. والبداية يجب أن تكون بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين وإعادة النظر في أحكام الشباب اللذين حوكموا محاكمات سريعة وصدرت في حقهم أحكاما قاسية. وطرح تصور واضح لتحييد المحيط الملكي من الانخراط في مجال الأعمال والتدخل في الحياة السياسية بنفس القوة التي يؤطر بها اليوم المجال السياسي ويراقب بها مجال المال والأعمال. أنا متفائل بطبعي، لكن، ليعذرني القراء، ففي 1999 بدأنا باليقين وانتهينا إلى الشك، لذلك سأرضى لنفسي بالشك حتى انتهي إلى اليقين. "قال أو لم تؤمن، قال بلى ولكن ليطمئن قلبي".
