أكبر حزب سياسي في المغرب
توفيق بوعشرين
أكبر حزب سياسي في المغرب ليس هو "البام" ولا العدالة والتنمية ولا حزب الاستقلال ولا حزب الاتحاد الاشتراكي، ولا أحزاب الكتلة مجتمعة... أكبر حزب سياسي في المغرب هو وزارة الداخلية، وهذه ليست حقيقة تكتشف اليوم، إنها أحد ثوابت نظامنا السياسي منذ الاستقلال وإلى الآن.
هذه الوزارة ليست إدارة وموظفين وقانونا ومساطر، كما باقي الوزارات، إنها عقل السلطة، والنواة الصلبة للقرار الاستراتيجي في البلاد. في مطبخها ترسم خرائط الانتخابات، وشكل البرلمان، ولون الحكومة. إنها تتحكم في نمط الاقتراع وشكل التقطيع، وتشرف على الانتخابات من الألف إلى الياء، وفي هذه الرحلة الطويلة والمعقدة، تتصرف بتوجه سياسي وليس بإيقاع إداري. مناضلوها الأقوياء هم العمال والولاة والقياد والبشوات والكتاب العامون المنتشرون في أكثر من 70 ولاية وعمالة وإقليما، منهم من ينفذ التعليمات بالحرف، فيسدي النصح لهذا المرشح أو ذاك، ومنهم من يشتغل لحسابه عندما لا تكون هناك تعليمات، ومنهم من يشتغل لحساب جهات أخرى يدين لها بالولاء لأنها اقترحت اسمه على سلطة التعيين، وكانت ومازالت تحفه بالعناية والتمكين.
وزارة الداخلية لا تنشط موسميا عند كل انتخابات تشريعية أو محلية، أبدا إنها خلية تتحرك على مدار السنة، تراقب الأحزاب والنقابات والجمعيات، وتتدخل في شؤونها، وترفع التقارير عنها، بحسن نية أحيانا، وبسوء نية أحيانا أخرى. الأجندة التي تسير عليها يرسمها تارة الوزير، وتارة الوزير المنتدب، وتارة شخصيات أخرى من خارج الوزارة، وهذه الوزارة المسماة بالداخلية تتدخل في كل شيء، فهي الوصية على المنتخبين، وعمالها وولاتها هم الآمرون الناهون في العمالات والأقاليم، وهؤلاء بهذه الصفة ملوك وأمراء في البلاد في طولها وعرضها، لا ينتخبهم أحد ولا يحاسبهم أحد، ولا يملك الناس إزاءهم إلا رفع أكف الدعاء إلى الله عندما يتعرضون لظلمهم.
وزارة الداخلية تخطط للتنمية والتنمية البشرية، وتشرف على المشاريع التي يدشنها الملك، وولاتها هم من يستقبلون ويودعون أعلى سلطة في البلاد، ولهذا فإنهم يملكون مفاتيح الكثير من القرارات والسياسيات والمؤامرات.
أما في مقر الوزارة في الرباط، فإن المدراء الكبار لا يتصرفون كموظفين كباقي عباد الله في الوزارات، أبدا، إنهم عقول سياسية تخطط وتنفذ وتحاسب، وتُدخل إلى السجن وتخرج منه، وتقدم الفتاوى والحيل الفقهية والقانونية لهذا المنتخب أو ذاك المستثمر.
أما إدارة الأمن والمخابرات والاستعلامات والشرطة القضائية والفرقة الوطنية الموضوعة في خدمة وزارة الداخلية، فتلك قصة أخرى، تدبر بها هذه الوزارة في الظلام ما لا تريده أن يظهر في الضوء. من سيقول لنا، مثلا، كيف دخل جامع المعتصم شهرا إلى السجن ثم خرج بعد ذلك بلا محاكمة، دون أن يظهر جديد في الملف الذي أعد في دهاليز الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، وتلقفته النيابة العامة وكأنه آيات محكمة لا تبديل فيها ولا تغيير... ستقولون لنا إن القضاء مستقل.. هذه أكبر كذبة شهد عليها الخطاب الملكي أربع مرات وهو يتحدث عن الحاجة إلى قضاء مستقل ونزيه. جامع المعتصم أخبر الصحافيين بأن موظفي السجن زاروه 12 ساعة قبل صدور قرار النيابة العامة بالإفراج عنه، فكيف علموا بذلك والقضاء مستقل؟ ونفس الشخص اتهم علال السكروحي، الوالي المدير العام للجماعات المحلية، بأنه وراء إدخاله إلى السجن
اليوم هناك فرصة لاتخاذ قرار من قرارين، إما إرجاع وزارة الداخلية إدارة في خدمة الشعب، وفي يد شخص منتخب يمكن محاسبته وعقابه، وإما أن تتحول هذه الوزارة إلى حزب سياسي معترف به وتتقدم إلى الانتخابات، وبلا شك ستستلم الحكم بسهولة لأنها على علم بأسرار الانتخابات "المخدومة".
سؤال له علاقة بما سبق: هل التدخل العنيف لوزارة الداخلية أول أمس بالبيضاء ضد التظاهرات السلمية دليل على أن هذه الوزارة غاضبة من الخطاب الملكي وخائفة على قلاعها من أن تنهار؟
