أنا أتظاهر، إذن أنا \"موجود\" ...

أنا أتظاهر، إذن أنا \"موجود\" ...

الأستاذ : الصادق بنعلال

إذا كان المغرب قد شهد احتجاجات و تظاهرات مطلبية – طيلة السنوات العشر الأخيرة - مست مختلف القطاعات و المجالات الحيوية للمواطنين المغاربة ، فإن ذلك قد عد علامة مشعة و مظهرا صحيا للدولة و حركية المجتمع و فعالية الجمعيات الأهلية ، و الهياكل والتنظيمات الحزبية و النقابية .. بيد أننا نعيش في راهن الحال على وقع " اهتزازات " تندغم في سياق إقليمي و عربي يمور بالانتفاضات و التضحيات الجسام التي أفضت إلى إسقاط نظامين عربيين تغولا في القمع البوليسي و نهب المال العام : نظام حسني مبارك و زين العابدين بن علي ، في حين يترنح المسؤولون اليمنيون و الليبيون رغم صمودهم الدموي الأهوج ، و قد يعرفون نفس المصير : مزبلة التاريخ . و هكذا خرج عدد من الشباب المغربي المنضوين في إطار حركة 20 فبراير للتعبير عن تطلعاتهم المشروعة نحو الديمقراطية و الحرية و المساواة و الكرامة . و قد شملت هذه الحركات الشبابية المطلبية مختلف المدن المغربية و انتهت في بعض الحالات إلى صدامات عنيفة و تخريبية مرفوضة جملة و تفصيلا .

و إذا كانت الأنظمة العربية السالفة و السيئة الذكر قد تعاملت مع مطالب الشعب بعنجهية و بأسلوب بدوي بائد، و باحتقار و غطرسة قل نظيرهما ، فإن النظام المغربي ممثلا في هرم السلطة ؛ الملك محمد السادس قد نهج أسلوبا مغايرا و مثمرا ، ألا و هو الإنصات لنبض الشارع و التعرف عن كثب على ما ينادي به هؤلاء الشباب من إصلاح جذري يقطع مع المسلكيات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية ..منتهية الصلاحية . بل إن الملك فاجأ كل المعنيين بالشأن السياسي الوطني و الدولي يوم 9 مارس 2011 بخطاب ثوري و محرقي و جهه إلى الأمة المغربية ، تجاوز سقف التطلعات التي رسمتها الحركات الشبابية المتحمسة ، و ذلك بإعلانه عن محورية تعميق و تطوير العملية الديمقراطية ؛ من خلال مراجعة دستورية جوهرية و إقامة جهوية متقدمة و موسعة . و قد استند ورش الإصلاح الدستوري المعني بالأمر إلى مرتكزات بنيوية بالغة الأهمية من قبيل ؛ تكريس تعددية الهوية المغربية و ترسيخ دولة الحق و القانون و الارتقاء بالقضاء إلى سلطة مستقلة ، و توطيد مبدإ الفصل بين السلط و تقوية آليات المراقبة و المحاسبة ..

و كان من المنتظر أن تنخرط كافة الفعاليات السياسية و النقابية و الحزبية و الثقافية و الإعلامية .. و الشبابية على وجه الخصوص لتعميق مبادرة الملك ، و عرضها للنقاش النبيل بروح نقدية بناءة و ذهنية اقتراحية فعالة ، بعيدا عن المماحكات السياسوية الضيقة ،

و المنطلقات الأيديولوجية الماضوية ، من أجل إرساء تعاقد و طني شامل بإمكانه أن ينقلنا – لو صفت نوايا كل المعنيين بشأن مغربنا الأعز – إلى مصاف الدول الديمقراطية بحصر المعنى . نحن لا ندعي أن ما صدر عن ملك البلاد وحي يوحى ، و لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه ، بل أقصى ما نشجع عليه و نلح في التشجيع هو أن نمنح للخطاب الملكي قدرا كافيا من الوقت ، لاستقراء مضامينه و استجلاء بنياته و أبعاده و اجتراح ما يمكن اجتراحه من اجتهادات مبتكرة و قابلة للأجرأة في أفق مأسسة المجتمع المغربي ؛ في ظل نظام سياسي ملكي عصري حداثي يستجيب لمستلزمات القرن الواحد و العشرين ؛ قرن التحولات " الدراماتيكية " بأدق معاني هذه اللفظة . فهل نحن مستعدون للانضواء في هذا الورش الوطني المصيري للعمل سويا من أجل تنقية البلد من الشوائب و تكنيسه من المفسدين ، و الضالعين في نهبه و جره نحو الهاوية ، و الوصول إلى إنجاز تاريخي يتمظهر في ولادة مغرب أجمل يسكن كياننا ؟ أم أننا سنقتصر على الرفض و الإنكار و الخروج إلى التظاهر من أجل التظاهر ، و الإسهال الإعلاموي غير المدروس ، و الاقتصار على نهج سياسة " كسر الأواني " و التشرنق داخل المعادلة الصفرية ؟ أملنا أن يدرك الجميع أن مصير بلدنا الذي نحبه إلى أبعد مدى ، بين أيدينا و أننا مطالبون بإعمال العقل و التسلح بالروية أكثر من أي وقت مضى ، عسى أن نبرهن للعالم أن المغرب " الأقصى " هو الأقرب إلى ترسيخ قيم الديمقراطية و حقوق الإنسان الكونية.

*باحث في قضايا الفكر و السياسة


هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة