20 فبراير ... سفينة النجاة

20 فبراير ... سفينة النجاة

 

غسان الكشوري

بعد إجراء روتوشات الإصلاح التي عمت بعض القطاعات بالمغرب  قبل وبعد خطاب التاسع من شهر مارس يبقى مسلسل مطالب حركة "20 فبراير" مستمرا إلى حين إعلاء سقف حرية التظاهر عنه والإعلام الحر تجاهه...وتبقى معه تساؤلات تحوم حول مستقبل حركة 20 فبراير، وما مدى صبر مناضليها؟ والى أين ستميل الريح بسفينة الإصلاح؟

الكل يراقب وينتظر تحركات حركة "20 فبراير"، فما قامت به هذه الحركة في ظرف وجيز أطاح بالنظريات الكلاسيكية التي لا مناص من عاملا الزمن والدم فيها. ويمكن اعتبار المغرب استثناء كما تداولته أقلام المهتمين والمراقبين لاعتبار الحركة شعبية وسلمية حتى النخاع، شعبية النشأة وسلمية التحرك. رغم ما تعرضت له الحركة من قمع تعسفي لما تحمله الكلمة من معنى (وما تحمله الصورة) يوم 13 مارس فإنها تمضي قدما نحو ترسيخ قيم السلم والمواطنة الحقة عبر مسيراتها. لكن بعد الهزيمة النكراء التي تعرض لها أعداء الديمقراطية في هذا البلد يوم 20 مارس عندما ذهلوا بجحافل من أبناء الشعب الغيورين على مصلحة الوطن تطالب بإسقاط رؤوس الفساد، يبقى التخوف والحذر واردا في المحطات القادمة. إذ يحيلنا هذا التخوف والشكوك كأفراد وجماعات إلى توقع تسخير وسائل ووسائط تعرقل حركة التغيير والديمقراطية المنشودة..

ما قال عنه أبو تمام في أبياته يحضر بين ظهرانينا حين قال :

وإذا أراد الـلـه نشــر فـضـيلـة *** طـُويـت أتـاح لهـا لسـان حسـود
لولا اشتعال النار فيما جاورت *** ما كان يُعرف طيبُ عَرف العود

وهاهي فضائل الناس تبرز للعيان، قولا وفعلا، والفضلاء الديمقراطيين يتقاطرون على الساحة السياسية بعد أن أشعلت تونس النار فيما جاورت ففاح طيبُ الشعوب العربية، وان فني الجسد العربي فلا يخلو موطنه من نسمته...ما يفوح من تجربة حركة "20 فبراير" من عطر وقفاتها ومطالباتها بالإصلاح الجدري والحقيقي يجعلها محط أنظار لرصد ماهيات التحول الكمي والكيفي فيها من جهة الاشتغال والآليات. في انتظار التعامل معها كجهاز وكمؤسسة فاعلة في المجتمع، بالشكل المدني والحقوقي، أكثر منها حركة دون البحث والتنقيب عن المعايب الايديولوجية او الاكسيولوجية.

وجدير بالذكر أن مطالب 20 فبراير، تعتبر حلولا لأزمات تمس عمق الإصلاح. وبأنها مطالب لا يختلف فيها من يسكن وطنا اسمه المغرب ..كما أن الشعب لا يقبل بأي صورة كانت بأن يصل لهذه التربة البذر والماء ويحصد هو الهواء، وبما أن %0,5 من الشعب تتحكم في 99,5% من الشعب فالخوف من الزحف التطهيري يبدو ظاهرا على وجوه من ألِف العيش على ثروات الآخرين.

 

من عاش في الأمس (سنوات الرصاص) وشاهد ما وصل إليه المغرب من حقوق وحريات التعبير والانفتاح يظن انه تحول تاريخي في طياته. والمشكل أننا وضعنا منطق التغيير على أساس الأمس، وليس معذورا من كان يعمل بعشر دراهم وتم إعطاءه عشرون درهما، فإنه يقيم الوضع على انه تحسن تاريخي في حياته المهنية. حتى وان كان حقه يفوق أجره ثلاث مرات فإنه يهتم بأحوال التحول اللحظي وأجواء مناخه الجديد، أي الاهتمام بالآليات دون التطلع إلى الغايات. يمكن قياس هذا المثال على الذين يتحسسون التحول الديمقراطي على انه قمة الديمقراطية. الشيء الذي يجعل من مسألة "فتات" الحقوق محط تساؤل لم نكن لنتدارس إشكاليتها العميقة بجوانبها "المقدسة" والممنوحة..لولا 20 فبراير والبوعزيزي.

ينظر إلى هذه الحركة على أنها ذرات لا ترى ولا يمكن حتى لجزيئاتها التحرر من ذاتها... يعطيها هذا الحق في ان تظهر شحناتها ومكامن نواتها... فلا يخفى عن احد أن حركة "20 فبراير" يمكن إحصاءها عددا، باعتبارها قلة قليلة من الشعب (حسب الإعلام المحلي)، حتى إذا مثل عددها مليون شخص فإنها تمثل % 3 من عدد سكان المغرب، بيد إننا بصدد تساؤلات باتت وليدة اللحظة الراهنة، يصب بعضها في فحوى الأثر الجلي الذي أحدثه هذا العدد؟ وأين تكمن قوة الحركة ؟ ولماذا تضاربت حولها آراء ومواقف تساند حينا وتحيد حينا؟ تساؤلات واستفهامات لا تفرضها الطبيعة الزمنية بقدر ما يفرضه الواقع المعاش في علائقيته الاجتماعية منها والسياسية والاقتصادية..المصيرية بطبيعة الحال.

هذا العدد القليل خرج أولا كصوت واحد.

هذا العدد القليل استطاع أن ينفض الغبار عن الواقع السياسي بالمغرب.

هذا العدد القليل أيقظ الثقة في النفس بعدما شك الشعب بانعدامها.

هذا العدد القليل جعل الناس تحس أنهم ليسوا استثناء في الظلم والقهر.

هذا العدد القليل أربك حسابات الآلة القمعية وأذهلها بحضارته وسلمية وقفاته الاحتجاجية.

هذا العدد القليل احدث شرخا بين قيادات حزبية وبين شبيبتها.

هذا العدد القليل وظف في أول صرخة له مئات المعطلين الذين كانت للدولة إمكانية توظيفهم قبل أن تشاهد الفلمين القصيرين "الهروب الكبير" للبطلين العالمين بن علي ومبارك.

هذا العدد القليل جمع اليساري والإسلامي على طاولة الحوار التي ما فتأت الدولة تنخر منذ سنوات في أركانها.

هذا العدد القليل اظهر أعداء الديمقراطية والحرية والكرامة الإنسانية صوتا وصورة و"زنكة زنكة ".

هذا العدد القليل قلص المسافة الفاصلة بين فصول الدستور والمواطن إلى أقرب مدى بعد أن كان نخبوي الرؤية.

هذا العدد القليل حطم ترابطية السياسة والرصاص.

هذا العدد القليل أغنى الحس الفني ومزج بين ثناياه المعاناة والأمل.

هذا العدد القليل كشف الإعلام المخزني في مؤامرات التشويه والتشهير.

وأن هذا العدد القليل جعل الملك في مدة لا تمتد إلى شهر يخاطب الناس عن إصلاحات كانت بالأحرى أن تكون في مهد العهد الجديد.

هذا العدد القليل أرسى دعائم الوحدة الشعبية والترابية، ومفهوم المواطنة.

هذا العدد...لا زال يمتد في الخبز اليومي، هذا العدد...لا زال يمتد في الغطاء الليلي، هذا العدد...لا زال يمتد في القلب المغربي...إلى أن تزول معالم الظلم.

ذكر "المهاتما غاندي" يوما قائلا " في البداية يتجاهلونك.. ثم يستهزئون بك.. ثم يحاربونك.. ثم تنتصر ". واليوم نجد هذه المقولة سرت على الأوطان العربية بشكل يطرحها أمام مقاربة الحاكم والطاعة وأمام امتداد الجسد والإرادة. فلم تعرف الأنظمة الفاسدة المخلوعة والآيلة للسقوط انتفاضات ومطالبات بالتغيير إلا وأوكلت مهمة الوأد إلى أجهزتها الأمنية التي تشتغل بمنطق البلطجة المباشرة والغير المباشرة، فالحاكم العربي يتبرأ من أعمال القمع وينفي عن نفسه أي تعليمات محظورة، ويبرر الجهاز الأمني هو الآخر عملياته بأنها تعليمات فوقية. ليجد المواطن العربي نفسه بين سندان الحاكم ومطرقة المخزن. بالإضافة إلى أنجع الطرق التي يعتمدها الحاكم العربي في أوج أزمته وهي الإعلام، إذ يتم تسخير كل من الصحافي البلطجي والمذيع البلطجي وحتى الوزير البلطجي، لتمرير مزاعم الديمقراطية ولتشييد مصطلحات كالمسار الجديد، الخطاب الحديث، العهد الجديد، الإصلاح الدستوري، التغيير الحكومي... دون أن يتكلم عن الذات الحاكمة كذات بشرية تصيب وتخطئ، تسدد وتقارب، تذنب وتتوب (وخير الخطـّائيين التوّابين).

إذا كانت حركة 20 فبراير تخدم، كما يدعي المغرضون، أجندات أجنبية أو بعض المصالح الحزبية والركوب باسم الشعب على الشعب فإن المواطن المغربي لا يمكنه أن يرفض مطلبا اسمه العيش بكرامة أو الحرية أو الشغل أو معرفة ثروات البلاد وكيف يتم توزيعها... المواطن المغربي يقبل أن يحكمه اليساري والإسلامي والليبرالي والأمازيغي أو كيفما كانت مرجعيته أو أصله... شرط أن يقيم العدل بين شعبه ولا يستعلي فوق قانون دستره شعبه. فضلا عن هذا فإن المواطن العربي عموما ساعده في انتصاراته سفينة الذات الواحدة والتطلع إلى أفق التقدم واللحاق بالركب التنموي... فالبحر هائج موجه والسفر طويل والزاد قليل.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة