مفارقات لن تجدها إلا في المغرب

مفارقات لن تجدها إلا في المغرب

 

أيوب رفيق

أعتز بكوني مغربيا و أفتخر بإلمامي الكبير بالتاريخ الذهبي لهذا البلد بداية من مساندته لفرنسا في الحرب العالمية الثانية و مساهمته في هزم الألمان و حلفائها ووصولا إلى تحقيقه الإستقلال الغالي و النفيس ,لكن إياك و أن تُغر بهذه المظاهر لأنني عاجز حتى الآن في تصنيف بلادي اجتماعيا و اقتصاديا و حائر في أية خانة يمكنني أن أضعه هل ضمن الأغنياء أم مع الفقراء ,كل سنة تمر بفصولها الأربعة حتى أجد نفسي ضائعا وسط الطريق,فصل الصيف الذي لا تنتهي بهائجه في هذا البلد السعيد من مهرجانات ضخمة و سهرات لا تكرر إلا مرة في العمر حيث يحضر للمغرب كل مشاهير العالم من كل طيف و لون ليذهبوا محملين بحزمات من المال الذين لا يؤدون مقابلها سوى حضورهم الجسدي والتي تُخصم من الراتب المتواضع لذلك المواطن البسيط  محافظين على الإمتيازات اللامحدودة للنواب البرلمانيين و أمثالهم و التي تتراكم كلما زاد الوضع تأزما,الصيف الذي لا يمر حتى يخلف في أنفاسنا الحسرة و الندم على كل تلك الأموال الطائلة التي تُهدر في العدم حالمين بربعها لنرى مغربا مزدهرا بكل المقاييس عكس ذلك الإزدهار الإنحرافي الذي نشهده كل صيف في المهرجانات و الحفلات التي لا تزيد الطين إلا بلة, ليصبح وطننا بلد الرفاهية و الإستجمام متخلصا من جميع أشكال العراقيل التي تجعله عبدا مأمورا للدول المتقدمة,لكن لا تدوم هذه المباهج إلا بضعة أشهر ليحل علينا فصل الشتاء و يكشف كل الحقائق المتعلقة بنا و يضعنا في الميزان العادل الذي يعطي القيمة السليمة ,هذا الفصل الذي لا ينفع معه لا التعتيم الإعلامي و لا غيره من الطرق و الوسائل المبيتة التي لا تسأم الدولة و الإعلام من ممارستها بحيث يظهر للعيان الحالة المأساوية التي يصبح عليها بلدنا من كوارث نسميها نحن فقط عظمى تكون سببها أمطار تحمل لقب الغزارة .فلا ندرك ضخامة الحماقة التي تقوم بها الدولة حتى نذوق مرارة المعاناة التي تنبثق من الأوضاع الإجتماعية و الإقتصادية المزرية و البنية التحتية الهشة لنحمل حينها المسؤولية لها  ليكون هذا الفصل بمثابة جرس إنذار بالوضعية الحقيقية و الخطيرة لهذا البلد لتعرف الحكومة وقتها المديونية من جيرانينا الغربيين الذين يصبحون بمثابة محرك و آمر لجميع تحركاتنا الداخلية .من هنا يظهر لنا الكم الهائل من التناقضات التي يتخبط فيها هذا البلد الذي لم و لن يعرف في المستقبل معنى الإزدهار و التطور إذا اتبع هذه السياسة الحالية.

فبمجرد تنظيم مهرجان لا يخدم الأجندة الثقافية الجادة التي من شأنها أن ترفع من المستوى المعرفي للمواطن المغربي إلا و يثور هذا الأخير غضبا و تمردا على هذه المهرجانات التي لا تخلف وراءها سوى آثار الحسرة و السخط على كل تلك الموارد الضخمة التي تُهدر في أمور لا تغني أو تفقر من جوع من قبيل الحفلات الفنية الغزيرة التي لا تترك لنا الفرصة للراحة البيولوجية من كل مخلفاتها التي تؤلم أذهاننا من شدة الحسرة و السخط على هذه الأوضاع المزرية التي يعيشها شبابنا كما لو أنهم بعيدين بآلاف الكيلومترات عن هذا البلد الذي لا يفلح سوى في تنظيم الحفلات و الأمسيات الفنية , فالكل أصبح في حيرة من أمره بسبب هذا التناقض الكبير الذي يشهده بلدنا من ترف و غنى تارة و فقر مذقع تارة أخرى فحتى نشرات الأخبار أصبحت تنقسم إلى هذين الطرحين,ففي فصل الصيف  لا تنقل لنا سوى الأنشطة الفنية من مهرجانات و أمسيات فنية ,في حين في فصل الشتاء فهي تكتفي بتصويرها للوضعية المأساوية التي نعيشها من فيضانات وكوارث تحول  بفقداننا لبنية تحتية  تنجز بابتذال كبير و تترك مجالا للصدفة و المفاجأة ,لكن رغم هذه التغطية التي تقوم بها قنواتنا التلفزية للأحداث المفجعة التي نعيشها كل فصل شتاء إلى أنها لاتزال تمارس سياسة التعتيم الأعلامي الذي يكون هدفه التخفيض من حدة غضب المواطن الذي لو أعطيت له الأرقام الصحيحة و المعلومات الخالية من الأخطاء المقصودة لقام بردة فعل عنيفة ستخلف نتائج لا تحمد عقباها على ناهبي المال العام و المفسدين المعششين في أسوار الدولة,فرغم المبادرات التي أصبحنا نلمسها بشكل كبير في الأونة الأخيرة من شباب و حركات احتجاجية قهرها الظلم و الأستبداد و جمعيات تطالب بالإيقاف الفوري لهذه المهرجانات و كل الأنشطة الأخرى التي لا تأتي بالنفع على المواطن المغربي البسيط الذي هو في أمس الحاجة لهذه الميزانيات الضخمة و الخيالية التي تمول بها هذه الأنشطة لكي تحفظ له الكرامة في عيشه و يضمن له الإحترام و التقدير وتحقق له الأحلام التي تراوده منذ نعومة أظافره,إلا أن هذه المبادرات لا تزال محتشمة و غير فعالة بالشكل الكبير الذي من شأنه أن يحدث الفارق و يهدد هذه اللوبيات التي تقف وراء تبذير المال العام الذي من حق المواطن المغربي ,فيجب تشجيع جميع هذه المبادرات من الأفراد و الشباب لكي تتضامن أصواتنا و تتظافر مجهوداتنا و بالتالي لنشكل خطرا غير مسبوق على ناهبي المال و منظمي المهرجانات الضخمة التي يخدمون عبرها مصالحهم و أجندتهم.

لهذا فأصبح من الحتمي و الضروري مقاطعة كل ما لا يعود بالنفع على أوضاعنا التي تسوء يوما بعد يوم ,شهرا بعد شهر,سنة بعد سنة,فكلما يزورنا فصل الشتاء إلا و يجدنا غير مستعدين لمواجهة كوارثه و يجد بالتالي سهولة في تدميرنا و هدم منشآتنا و تأزيم وضعية مواطنينا الذين لا منقذ لهم في هذه الظروف التي تحصد الأخضر و اليابس,لنتخلص قليلا من هذا الواقع المظلم و الحالك و نطرق باب الخيال ,و نفترض لو أن هذه المهرجانات الضخمة و الأمسيات الفنية التي لا فائدة لها سخرت ميزانياتها في خلق مناصب للشغل و تسهيل ولوج الأسر المعوزة للخدمات السكنية و تسخير التغطية الصحية لكل المغاربة ,سننتقل حتما و بدون أدنى شك إلى البلدان الأكثر استقرارا في العالم,لن نحتاج إلى المديونية من نظرائنا الخليجيين و الغربيين الذي يقيدوننا و لا يتركون لنا مجالا للحرية في اختياراتنا,لن نخرج إلى الشارع من أجل التعبير عن ضيقنا من هذه الأوضاع و مطالبتنا بتنحية كل رموز الفساد القابعين في هذا الوطن,لن نشاهد على شاشات التلفاز إلا مشاريع كبرى و أوراش ضخمة تبنى في سبيل ضمان حياة كريمة لمواطن لطالما عانى من كل أشكال الفساد و الظلم و الإستبداد,غير أن هذا الخيال لن يتحول إلى واقع بين ليلة و ضحاها  لكنه يستلزم تعبئة من جميع شرائح المجتمع المغربي و خاصة الشباب منهم الذين يعتبرون هم صوت المجتمع و رجال الغد ,فلن يكفينا خلق مجموعات فايسبوكية محتشمة على الشبكة العنكبوتية بل يجب علينا أن ننتقل من العالم الإفتراضي إلى الواقع لكي يكون نداءنا أكثر شيوعا بتكويننا لجمعيات مدنية تمثل الفرد المغربي أحسن تمثيل و تعبر عن معاناته و تدافع عن حقوقه بعدما فقد المواطن المغربي الآمل في الأحزاب السياسية التي لا تخدم  سوى أجندتها و مصالحها و لا تظهر سوى إبان مرحلة الإنتخابات ,بالإضافة إلى بنيتها الهرمة التي لم تصبح قادرة على تحمل المسؤولية ,و لهذا فيجب علينا أن نكثف جهودنا و نوحد أهدافنا إذا أردنا أن نرى في الأفق مغربا مزدهرا متخلصا من جميع أشكال الفساد و المحسوبية و تبذير المال العام.

 

rafikayoub.blogspot.com

[email protected]

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة