الشروحات الوافية في مسألة الإصلاحات الدستورية
هناك اليوم سؤال واحد يتردد على ألسن جميع المغاربة، وهي كيف ستكون طبيعة الإصلاحات الدستورية، وما مدى هذه الإصلاحات، وما مصير بعض الفصول المثيرة للجدل، خصوصا الفصل التاسع عشر، الذي يوصف بأنه فصل ينتمي للقرن التاسع عشر، وما الذي سيحدث بعد إعداد الدستور في صيغته الجديدة، وهل ستسقط حكومة عباس قبل أو بعد صياغة الدستور... مع عشرات من الأسئلة الأخرى التي لن يجد لها الكثيرون جوابا هذه الأيام.
لكن مقابل هذه الأسئلة، التي يطرحها في الغالب أناس مثقفون أو مطلعون على تفاصيل ما يجري، فإن مغاربة كثيرين لا يفرقون بين الإصلاحات الدستورية وخفض أسعار السردين والطماطم. وفي كل مناطق المغرب، يمكن لأي واحد أن يجلس إلى جانب بسطاء الناس ليكتشف أن كل واحد يمارس «التأويل الدستوري» على هواه. مثلا، امرأة أرملة تفسر لجارتها معنى الإصلاحات الدستورية بطريقة خاصة جدا، وهي أن كل أرملة مغربية ستتوصل على رأس كل شهر بألف درهم. هذه المرأة مقتنعة تمام الاقتناع أن هذا سيحدث وسيبدأ مفعوله بمجرد الانتهاء من التعديلات مطلع الصيف المقبل. من حقها طبعا أن تحلم، فلا معنى لدستور لا يوفر لأرملة فقيرة لقمة العيش.
وفي سوق شعبي، كان رجل مسن يشتكي من ارتفاع أسعار الخضر، ويبدو أنه ليس متفائلا كثيرا بالمستقبل، غير أن البائع تكفل بإدخال بعض السرور إلى قلبه عندما قال له إن الدستور المقبل سيجعل أسعار الخضر أقل اشتعالا، وأن ذلك سيكون في مصلحة الجميع، في مصلحة التاجر الذي سيبيع أكثر، وفي مصلحة الزبون الذي سيشتري أكثر.
فتاة في الثلاثينات من عمرها قررت أن تشرح الإصلاحات الدستورية على طريقتها الخاصة، إما جدا أو سخرية، المهم أنها قالت إن الدستور الجديد سيضمن الزواج لكل الفتيات، وأن زمن العنوسة سينتهي قريبا.
الكثير من العاطلين أيضا يتوقعون أن يضمن لهم الدستور الجديد عملا فوريا، والكثير من الفقراء الذين لا يجدون ما يكملون به الشهر مقتنعون بأن الدستور الجديد سيجعلهم يصلون لنهاية الشهر مرتاحين.
التلاميذ الذين يقطعون عشرات الكيلومترات مشيا على الأقدام، وأحيانا حفاة، ينتظرون من الدستور الجديد أن يجعل المدارس قريبة، وأن يصحو ضمير معلمين وأساتذة تعودوا على الغياب، ويتوقفوا عن استخراج الشواهد الطبية المزورة.
الفتيات الصغيرات في القرى النائية ينتظرن من الدستور الجديد أن يحفر لهن مزيدا من آبار المياه في مناطقهم الجافة حتى لا يضطررن لقطع حوالي 50 كيلومترا ذهابا وإيابا كل يوم بحثا عن مياه للشرب. ولو أن الدستور الجديد لا يوفر مياه الشرب لهؤلاء فلا معنى له إطلاقا.
الأطفال في الجبال البعيدة ينتظرون من الدستور الجديد أن يوفر لهم معاطف دافئة تطرد عنهم شبح الموت بردا. فلا معنى لدستور جديد في بلد يموت أطفاله من البرد والمرض.
الطالبات الجامعيات ينتظرن أن يكون الدستور الجديد نقطة النهاية لنزوات أساتذة كثيرين لا فرق بينهم وبين الذئاب، والذين أصبحوا يبيعون بضع نقاط في الامتحانات مقابل شرف التلميذات.
الإصلاحات الدستورية ينتظر منها الطلبة التوقف عن البيع والشراء في شهادات الماستر والدكتوراه في الجامعات المغربية. الماستر وصل ثمنه إلى 6 ملايين، وشهادة الدكتوراه 20 مليونا فما فوق. وعلى وزارة التعليم العالي أن تبحث فورا عن اسم جديد للجامعات والكليات، مثل «سوبير مارشي» أو «سوق ممتاز».
هناك شريحة أخرى من المغاربة ينتظرون من الإصلاحات الدستورية أن تنتبه إليهم، وهم عشرات الآلاف من الهاربين الذين يلاحقهم القانون بتهمة زراعة المخدرات، وهم مزارعون بسطاء يكدون ويكدحون، بينما يستفيد من زراعتهم كبار الأباطرة، وعدد كبير منهم في البرلمان والجماعات المنتخبة ومواقع المسؤولية. من حق هؤلاء المزارعين، إذن، أن يتساءلوا لماذا لا يقرر الدستور الجديد القضاء على «كتامة» عوض القضاء عليهم.
السجناء الذين ظلمهم قضاة فاسدون ينتظرون دستورا يوقف «إنفلونزا الظلم» في المحاكم المغربية، وإطلاق سراح كل المظلومين، بشرط واحد، وهو أن يخرجوا من زنازنهم ويدخلها فورا القضاة الذين حكموا عليهم ظلما.
