الإحتجاج ..وافد جديد على المغاربة
أيوب رفيق على مر الزمان عاش هذا البلد مراحل صعبة و متشعبة الخطورة أكثر بكثير من هذه التي نعيشها في الوقت الراهن من اعتقالات سياسية لا ليس لها أي أساس من الصحة و المنطق واختلاسات مالية مهمة لاذا أصحابها بالفرار دون حسيب و لا رقيب ثم أزمات اجتماعية حادة لم تضمن للمواطن المغربي حياة كريمة تتوفر فيها أبسط شروط العيش,فكل هذه المظاهر الحالكة أدت إلى وضعية مزرية عاشها هذا الوطن قبل سنوات ليست بالبعيدة,لكن رغم كل هذه الأوضاع المأساوية التي كان المغربي يعاني منها و من تجلياتها إلا أنه كان يلزم الصمت و الكبت,رغم الفقر و البطالة ,رغم الظلم و الإستبداد,رغم الفساد المالي و السياسي,رغم كل هذه المظاهر السالفة الذكر إلا أنه كان يهاب النظام,كان يقدسه و لا يستطيع التشكيك في نزاهته و مصداقيته ,كان لا يؤمن بحرية التعبير كحق مقدس في هذا الوطن,لكن شتان بين ذلك الأمس المسكوت عنه و عن نقاطه السوداء و هذا اليوم الذي لم يعد يرضى إلا بكشف الحقائق و تنويرها عبر هذا الفرد المغربي الذي سئم من الإنتظار و الصبر ليكشر هو الآخر عن أنيابه و يعبر عن سخطه على الأوضاع و على بعض ممارسات هذا النظام عبر سلاحه الوحيد و هو الإحتجاج,ففي الأونة الأخيرة عرف العالم العربي تغيرات جذرية في أنظمتها المتعنتة التي لم تزول إلا بعد جهد كبير بينما هناك أخرى لم تضرى بالتنحي حتى الآن ,ولم تأتي هذه التغيرات بشكل عبثي إنما عبر خطط مدروسة و متقنة من طرف الهيئات و الحركات الشبابية التي لم تدخر جهدا في إحراج الأنظمة الحاكمة و كشفها عن السخط اتجاهها من قبيل تونس التي عرفت ميلاد هذه الحركات ثم مصر و اليمن و ليبيا و غيرها من البلدان العربية التي عبرت عن عدم رضاها تجاه الأوضاع التي تعيشها,فالمغرب لم يكن بمنأى عن كل هذه الدول التي ذكرناها بل هو الآخر شهد ميلاد حركات احتجاجية شبابية من قبيل حركة 20 فبراير التي أصبحت على رأس النقاشات الحالية و التي أضحت أضحت تتصدر كل البرامج التلفزية و الإذاعية كما أخذت حصتها من أخبار الجرائد ,فكل هذا الإشعاع الذي عرفته حركة 20 فبراير و نظيراتها الأخرى لم يأتي بمحظ الصدقة و إنما جاء باقتناع المواطن بالعمل كبير الذي تقوم به من أجل التعبير عن هموم الشعب ,المطالبة بالإفراج الفوري عن المعتقلين السياسيين المظلومين الذين لم يقوموا إلا بالتعبير عن ما يخالجهم من اعتقادات و أفكار,النضال من أجل المعطلين حاملي الشواهد العليا الذين انطفأت أحلامهم و صدموا بواقع صارم بعد طرقهم أبواب البحث عن العمل ,المطالبة المشروعة بمحاكمة كل رموز الفساد الذين طالما شكلوا أحد العراقيل التي وقفت أمام تنمية هذا البلد,إذن فهذه الحركة التي تكتنقها مجموعة من الأطياف و الهيئات التي تختلف خلفياتها و أفكارها لكن توحدها أهدافها التي جعلتها تنخرط في هذه الحركة لكي تفرض وجودها و توصل أصواتها التي لا تطالب إلا بحقوقها المشروعة و المغتصبة,يمكننا الجزم بأن زمن السكوت و الخوف ,زمن الظلم و الإستبداد,زمن العنف السلطوي ,زمن النسب و الجاه قد ولى ,فكل هذه التجليات التي تعكر صفو الديمقراطية لم و لن يبقى لها أي آثر في المستقبل و الفضل هنا يرجع لموجة الإحتجتجات التي أصبح يمارسها المواطن المغربي طواعية لفرض وجوده و لتصويب الأنظار تجاهه من المسؤولين الذين أضحوا يخافون تجاهل مطالب المغاربة لما يتوفرون عليه من حق في الإحتجاج فهذا الأخير الذي يعتبر عدو النظام و مسؤوليه الذين يفعلون الكثير لتجنبه و تخطيه,وبالتالي فيمكن اعتبار أن تقدير المواطنين لحقهم في الإحتجاج غير موازين القوى و بعثر الأوراق ليكون المواطن البسيط في درجة واحدة مع نظيره الغني الذي يتوفر على السلطة و الجاه لأن سلاح الأول هو لسانه و قدرته على فضح المستور و الثاني لا يحتوي إلا على السلطة التي لا فائدة لها إن كانت تتعارض مع الشعب و تلقى موجة من الغضب و الإحتجاجات,فهذا الزخم من الإحتجاجات التي يعرفها بلدنا فهي ليست وليدة اليوم أو اللحظة إنما هي نتيجة تراكمات لها عقود عديدة تحولت إلى هذه المظاهر التي نلحظها حاليا,و هنا يجب التصفيق بحرارة لهذه الحركات الشبابية التي كان لها دور أساسي في كسر حاجز الصمت الذي عمر لسنوات طويلة في مجتمعنا المغربي ,فيمكن القول أن هذه الحركات رغم أنها تمول من مجموعة من الجماعات أنها قامت بما عجزت عنه الأحزاب السياسية التي لم تكمل مسيرتها في النضال منذ الإستقلال و التي انبهرت بالإنجازات الخارقة التي قامت بها هذه الحركات و اكتفت بتبنيها بدون أدنى احترام لهذه الشريحة الهامة من الشباب التي أصبحت تفقه الشئ الكثير في العمل السياسي ,و قد صرحت أغلب الأحزاب السياسية أنها قامت بالمطالبة بمطالب حركة 20 فبراير منذ زمن بعيد ,و لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة لما لم يحقق و لو جزء كبير منه هذه المطالب إذا كانت مرفوعة لسنوات طويلة؟, وقد انبثق عن هذه الإحتجاجات مجموعة من الإنفراجات التي ثمنت جهود الحركات الشبابية و من هذه الإنفراجات نذكر العفو الملكي الذي أفرج عن 190 معتقل سياسي أغلبهم من السلفية الجهادية بالإضافة إلى إدماج المعطلين بشكل فوري الحائزين على شهادة الماسترز فما فوق ,إذن فلا أحد يمكنه أن ينكر ما أدته هذه الحركات من تضحيات كبيرة في سبيل الوطن,من أجل القضاء على الفساد,من أجل تخليق الحياة السياسية ,من أجل تحسين معيش المواطن المغربي,من أجل القضاء على اللوبيات و المفسدين الذين لا تهمهم سوى مصلحتهم دون اعتبار المصلحة العليا للوطن,لكن رغم كل هذه الإنجازات التي تحققت إلا أننا لازلنا نلمس بشكل كبير الأوضاع المزرية التي تعيشها أغلب شرائح المجتمع و بالتالي فأصبحنا نلحظ أن الكل أضحى سلاحه هو الإحتجاج بدءا من الفنانين الذين يظهرون بيوتهم في حالات مأساوية على شبكة الأنترنيت و مرورا بالأساتذة المجازين الذي هم الآخرون يطمحون بتوظيفهم الفوري و انتهاءا بجمعيات المجتمع المدني التي أصبحت هي الأخرى تسمع صوتها بشكل نسبي لتحسين الأوضاع الإجتماعية و القضاء على الفساد,إذن فالكل أصبح يحتج لتغيير وضعه الذي لا يرضيه و لا يستطيع أن يكون في مستوى طموحاته,و من هذا المنبر أبعث تحية خاصة لكل تلك الحركات الشبابية التي جعلت من مطالب المغاربة أولوية كبيرة في احتجاجاتها و كسرت حواجز الصمت التي كانت صلبة منذ حقبة الإستقلال. rafikayoub.blogspot.com
