وعاد الإرهاب ... فما العمل ؟ !
الأستاذ : الصادق بنعلال
1 - عاشت المملكة المغربية يوم الخميس 28 أبريل 2011 على وقع انفجار إرهابي و إجرامي ، " اختار " له مدينة مراكش ( ساحة جامع القنا - مقهى أركانه ) تحديدا ، لما لهذه المدينة الساحرة من رمزية سياحية و ثقل اقتصادي هام ، فهي تستقطب أعدادا غفيرة من السياح العرب و الأجانب ، و أسفر هذا الحدث الدموي الجبان عن مصرع عدد كبير من الأبرياء مغاربة و سياح أجانب ؛ حوالي ثمانية عشر قتيلا و أكثر من عشرين جريحا ، مما أعاد إلى الذاكرة مجددا أعمالا إرهابية أخرى شهدتها مدن مغربية : مراكش 1994 – الدار البيضاء 2003 .. و قد عبر كل المواطنين المغاربة – سياسيين و جمعويين و رجال إعلام .. عن تنديدهم المطلق بهذه العملية الإرهابية الوحشية ، التي جاءت في ظل سياق وطني و إقليمي و دولي عصيب ، يتميز بحراك شعبي تعرفه معظم الدول العربية ، و مطالب الشارع العربي بالإصلاحات الشاملة و العميقة للأوضاع السياسية العامة . و معلوم أن المغرب ظل استثناء في محيط عربي رسمي يتكلم لغة الدم و السلاح و القمع الهمجي ، لقد تعامل النظام المغربي مع مطالب الشباب المشروعة بذكاء نوعي استحق بفضله التنويه من أكثر من جهة داخلية و دولية ، إذ وجه العاهل المغربي الملك محمد السادس خطابا محرقيا إلى الأمة المغربية (9-3-2011) ، يعلن فيه أهم الخطوط العريضة للإصلاحات السياسية و الدستورية و المجالية ، و هي إصلاحات من شأنها أن تنقل المغرب إلى نادي الدول الديمقراطية ؛ حيث الفصل بين السلط و التأكيد على آلية المراقبة و المحاسبة ، و مأسسة المجتمع و عصرنة الفعل السياسي . فمن يكون وراء هذه المغامرة الرهيبة ؟
2 - من البلادة أن نستبق الأحداث و نصدر الأحكام و نوزع الاتهامات ، و الأفضل و الأسلم أن نترك السلطات المختصة تفتح تحقيقا قضائيا مستقلا ، لمعرفة دواعي و ملابسات هذا الزلزال المؤلم ، و إطلاع الرأي العام بالحقيقة و لا شيء غير الحقيقة . بيد أنه من جائز القول إن أطرافا متعددة داخل المغرب و خارجه غير راضية عن المسار الديمقراطي الذي تبنته المملكة كخيار استراتيجي نهائي ، منها التنظيمات الدينية الإرهابية ؛ القاعدة في بلاد المغرب
الإسلامي التي " هددت " بضرب مصالح المغرب انتقاما من سجناء السلفية الجهادية ، فالخلايا " الجهادية " المستيقظة و النائمة عبرت في أكثر من مناسبة عن عزمها القيام بأعمال انتحارية في أهم المدن المغربية ، نتيجة انخراط المغرب في الحملة الدولية على الإرهاب .. كما أن السياق الإقليمي للمملكة لا ينظر بعين الرضي إلى ما يحصل داخل المغرب من تحولات إيجابية و سلمية ، في أفق بناء دولة حداثية و ديمقراطية بأقل الخسائر الممكنة . و النظر بعين " السخط " إلى الثورة المغربية الهادئة ، و التي يقودها الملك نفسه برجاحة عقل ، لا يقتصر على الجانب الخارجي ، بل هناك " جيوب " للمقاومة و أجهزة متحكمة لا ترى أية مصلحة من وراء الأوراش الوطنية الكبرى و الإصلاحات الجذرية التي ستضع حدا لاستقوائها ، و تغولها في عالم الاقتصاد و الأعمال ، و نهب البلاد و العباد و السيطرة على مقدرات الوطن ، و الدفاع المستميت عن اقتصاد الريع و الفساد المالي و السياسي . فما العمل ؟ و كيف نتعاطى مع هذا " الأمر الواقع " ؟
3 - ما من شك في أن الإرهابيين ، مهما اختلفت منطلقاتهم السياسية و الأيديولوجية و الإقليمية ، يتلهفون من أجل إلهاء المغرب و منعه من مواصلة نهج المسار الديمقراطي ، و إيقاف مسلسل الإصلاحات الجوهرية و بناء دولة ديمقراطية و حديثة ، تعيش في وئام تام مع القرارات و الاتفاقيات و القوانين الدولية ، والالتزام الكلي بالقيمالحضارية و الإسلامية المعتدلة . لذلك من البديهي أن يكون محط أنظار الحاقدين و الفاشلين دولا و أفرادا ، و أرقى وسيلة نواجه بها هذه الفعلة الشنيعة هي الإصرار على مواصلة الرحلة من أجل بناء مغرب الغد ؛ مغرب نظام ملكية ديمقراطية ودستور حداثي و فصل حقيقي بين السلطات و استقلال القضاء و الإعلام ، و تفعيل آلية مراقبة و محاسبة المسؤولين و محاربة كل المسلكيات المرتبطة بالحكامة المتقادمة ، إن الديمقراطية بالمعنى المتعارف عليه أمميا هي الأداة الأسمى و الأوحد لمواجهة نزوات حفاري القبور و قاتلي الأبرياء ، و الراغبين في إبقاء الوضع على ما هو عليهلاستنزاف ما يزخر به الوطن من طاقات بشرية و مادية . إن أوراش الإصلاحات الهيكلية انطلقت و لا يمكن أن تعودعقارب الساعة إلى الوراء ، فلنعمل جنبا إلى جنب ملكا و شعبا و حكومة منتخبة انتخابا ديمقراطيا لا غبار عليه ، من أجل إفشال مخططات مصاصي الدماء و بناء وطن جميل يسع كل ألوان قوس قزح . ( يمكرون و يمكر الله و الله خير الماكرين) .
باحث في قضايا الفكر و السياسة
