حركة 20 فبراير المغربية: الحال .. و المآل !!
لأستاذ : الصادق بنعلال
(1)
تعيش الأمة المغربية على وقع حراك سياسي نوعي و استثنائي، مقارنة بباقي الأقطار العربية الأخرى . و لهذه الوضعية النموذجية محددات و تجليات ؛ أبرزها أن المغرب شهد تجاذبات عصيبة طبعت مختلف مراحل فترة الاستقلال ، و اكتسب أبجديات التعاطي الإيجابي مع الاحتقانات السياسية . ففي الوقت الذي انساق فيه البعض إلى التصعيد الدموي و الاقتتال الداخلي و الانتحار الجماعي ، تمكن الجسد المغربي ممثلا في عاهل البلاد و باقي المكونات المجتمعية من تقديم قراءة حصيفة و موفقة لنداءات الواقع الملموس . و هكذا خرج الشعب المغربي مجسما في خيرة أبنائه / الشباب المتعلم و المنفتح على معطيات المعرفة الحديثة و ثقافة التواصل الاجتماعي الإلكتروني ، ليطرح تساؤلا دراماتيكيا : ما العمل من أجل القضاء على الفساد الذي أصاب معظم ميادين الحياة العامة للمواطن المغربي ؟ فكان الجواب خطابا ملكيا ثوريا ضمنه تطلعات المغاربة في التغيير و التجديد و الإصلاح ؛ دستوريا و سياسيا و مجاليا ، مما جعله يحظى بالتأييد شبه المطلق وطنيا و دوليا . بل هناك من اعتبر المعالجة المغربية تنم عن خصوصية عقلانية و موضوعية، في سياق عربي ينفجر انفجارا و يندفع بقوة جهنمية لإسقاط زعماء أذاقوا البلاد و العباد أصنافا من القهر و ضروبا من الاستبداد و ألوانا من الحرمان ، في انتظار حل " القضايا القومية الكبرى " المفترى عليها !
(2)
و الواقع أن الشباب المغربي الممثل في حركة 20 فبراير كانوا في الموعد ، و أبانوا عن حس وطني عميق و سلوك حضاري فريد . فهم فتية آمنوا بالديمقراطية و الحرية و الكرامة ، و مواجهة كل مظاهر القصور و الضعف في حياتنا السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية .. أملا في بناء مغرب المساواة و التوزيع العادل للثروة و وضع حد لنهب المال العام . فمنهم المستقلون عن الهياكل الحزبية المترهلة ، و منهم من ينتمي أو يتعاطف مع الهيئات اليسارية و حركات " الإسلام السياسي " . و معلوم أن الأرضية التأسيسية لهذه الحركة تستند إلى نقطة ارتكاز ألا و هي الملكية البرلمانية ؛ القائمة على المبادئ المتعارف عليها دوليا ، من قبيل مبدأ الفصل بين السلطات و تفعيل آلية المراقبة و المحاسبة ، و الاستقلال التام للقضاء و الإعلام و المسؤولية التامة للحكومة المنتخبة ديمقراطيا .. و تعزيز بناء دولة وطنية و مدنية تستضيء بمستلزمات الحداثة و المواثيق الدولية و التشبث بقيمنا الحضارية و الدينية ، مما جعل الحركة تحظى بشعبية متنامية و متوازنة . خاصة و أن المغرب قطع أشواطا في بناء نموذجه الديمقراطي على الرغم من عيوبه الكثيرة . إن أية دعوة تنزع نحو إقامة دولة الحق و القانون و إسقاط أعمدة الفساد و وضع حد لتمييع الحياة السياسية ، في ظل النظام الملكي الديمقراطي و الوحدة الترابية و الدين الدين الإسلامي المعتدل ، ستلقى مساندة شعبية يقينية ، و الباقي " تفاصيل " .
(3)
و لئن كنا نقر بالدور النبيل الذي لعبته و ما تزال حركة 20 فبراير ، في التظاهر الحضاري و التعبير عن مطالب و تطلعات الشعب المغربي في العزة و الكرامة ، إلا أننا و انطلاقا من انشغالاتنا بالمقاربة النقدية و العقلانية لقضايا الفكر و السياسة ، نستشعر بعض التخوفات على راهن و مآل هذه الحركة ،
خاصة و أنها تضم بين جناحيها فصائل شاذة تتكلم لغة تتعارض و منطق العصر و قوانين الفيزياء الاجتماعية . و لعل الشعارات التي رفعتها – مؤخرا - هذه الفصائل المنتمية إلى ما قبل " التاريخ " تجعلنا نتساءل بحرقة و أسى : هل أضحت الحركة المعنية بالأمر رهينة للفكر الانتكاسي الداعي إلى " إحياء الموتى " و استرجاع تجربة سياسية ماضوية تتعارض و أفق القرن الواحد و العشرين ، و مستسلمة لخط اليسار الراديكالي الحالم بإقامة " نظام جمهوري " وهمي و متعفن ؟! لقد آن الأوان لوضع " النقط فوق الحروف " و رسم الأهداف والغايات المقصودة بالبنط العريض. إن الشعب المغربي و هو يتابع باهتمام بالغ مجريات الأحداث ، و يستمع إلى نبضات قلب الشارع ، لن يقبل بديلا عن الملكية الدستورية و الديمقراطية ، و لا يمكن أن يتخلى عن مكتسبات و استحقاقات سياسية واجه من أجلها الرصاص و الجمر، في اللحظة التي كانت فيها " الجمهوريات " العربية " تصمد و تتحدى " مطالب شعوبها المضطهدة . فعين العقل أن نعمل جميعا سياسيين و إعلاميين و شبابا و مثقفين و أصحاب قرار ، على الإبقاء على هذه الديناميكية الاستثنائية لإنجاز مهمة تاريخية مفصلية ؛ بناء مغرب الغد بمنأى عن المزايدات السياسوية الهجينة و مسلكيات العقل المستقيل !
باحث في قضايا الفكر و السياسة
