الأسرة والمدرسة معا لمواجهة حرب المخدرات..
اسماعيل الحلوتي
يقينا أنكل من مازال يحمل في فؤاده ذرة من حب هذا الوطن، سيقف اليوم مستنكرا بحرقة ومتحسرا بمرارة، علىما آلت إليه أوضاع مدارسنا من تراجع وترد، إثر الحرب الضروس والقذرة، التي تشنها بعض العصاباتالمنظمة علىفلذات أكبادنا،حرب استعر أوارها ضد العقول والقيم، في ظل استفحال ظاهرة تعاطي المخدرات وترويجها، داخل المؤسساتالتعليمية وفي محيطاتها السوسيو-اقتصادية، فالمتأملفي مشهدنا التعليمي،كثيرا ما يصاب بخيبة الأمل أمام الصمتالمطبقعلى ما يجري من اختلالات عميقة، ولا يجد منملاذ عدا الشكوى إلى الباري، بعدما أغلقت دونه الأبواب، وانشغل عنه الجميع بمعارك جانبيةبعيدة عن كل إصلاح مأمول، اسودت الدنيا في عيون الآباء والأمهات والمدرسين على حد سواء،وما عاد أحد قادرا على تفسير هذا الانزلاق الأخلاقي، الذي يجر البلاد إلى حافةالانهيار، والمزيد من انتشار الجرائم... فأين المدرسة المغربية من دورها في الإشعاع الثقافي وتنمية الحس التربوي ؟
إن انعدام الوعي الاجتماعي والثقافي، خاصة في صفوف تلامذتنا، جعلهم يفقدون كل خيط ناظم بين البيت والمدرسة، وأضاعوا بوصلة الطريق صوب ما يشدهم إلى عالم الفكر،ويمنحهم السلاح الأنسبلمقاومةكل إغراء مدمر، فأصبحوا ضدا عن إرادتهم هائمين على وجوههم دونما اتجاه، كأنهم على متن شاحنات بالية بلا أنوار ولافرامل، تقلهم بسرعة جنونية في مجاهل عالم مظلم. والأخطر من ذلك، أن العديد من مؤسسات التعليم الثانوي الإعدادي والتأهيلي، في الأحياء الشعبية كما في غيرها من الشوارع الراقية، تحولت ومحيطاتها إلى قلاع احتكرتها ثلة من منعدمي الضمير، وحولتها إلى أسواق سوداء لترويج سمومها بين المراهقات والمراهقين، مستغلة سذاجة بعضهممن جهة، وإهمال الأسرة والمدرسة لهم من ناحية أخرى،فحولتبيسر شديد فئة منهم إلى أدوات طيعة بين أيديها، تسخرهم متى شاءت لتسويق سلعها مقابل جرعات يومية بالمجان...
لقد استطاع "بارونات" الاتجار في المخدرات عبر ربوع البلاد، سيما في المدن الكبرى،إسقاط آلاف الضحايا من التلاميذ إناثا وذكورا، في فخاخهم المنصوبة بدقة متناهية، استنادا إلى دهائهم وطرقهم الدنيئة،مستغلينالقصور العقلي للمتعلمينواندفاعهم،لتحريض بعضهم على بعض، من خلال منافسات بغيضة تعتمد التباهيبالعضلات، عبر قياس قدراتالتحملوالصمود لدى الفرد الواحد، في تناول أكبر قدر ممكن من مخدر بعينه أو مزيج من المخدرات في مشروبات إما غازية أوروحية،يستهلون معاملاتهمبالتساهل في الأداء، ثم ينتقلون إلى مرحلة انتقاء الوسطاء، الذين غالبا ما يكونون من بين الذين يعانون من وضعيات اجتماعية صعبة، خاصة أولئك المنحدرين من قرى نائية،المقيمين مع أقاربهمفي دور الصفيح والأحياء الهامشية،أوالذين يعيشون تحت نير الفقر وويلات التفكك الأسري...فبأساليب وقحة، وخطط مدروسة، تمكن مروجو المخدرات من بسط هيمنتهموإحباط كل العمليات الرامية إلى التصدي لحروبهم المكشوفة، فلا حملات التمشيط الأمنية،ولا الندوات التربوية والشرائط السينمائية،الهادفة إلى التوعية والتحسيس بمخاطر الإدمان على المخدرات وسبل الوقاية والعلاج منها، استطاعت أن تؤتي أكلها فيمجابهة الظاهرة أو تضع حدالشيوعها. انغرست العادة السيئة في الأذهان،غزت جراثيمها الخبيثة البيوت والمدارس والأحياء، وطوقت حبالها رقاب ناشئتنا من الجنسين ومن مختلف الأعمار...وأمام مايلاقيه التلاميذ من تخويف وترهيب،فإنهملا يجرؤونعلى كشف هويات المجرمين ومن يعمل تحت إمرتهم،بينمامعظم الأسر المغربية غارقة في خضممشاغل الحياة اليومية، وفاقدةلزمامالمبادرة ورعاية الأبناء، الشيء الذيفسح المجال أمام جبروت الإدمانللتوسع وإحكام قبضته على العقول الفتية...
إن الوقوع اللاإراديلناشئتنابين براثن الإدمان، نجمعن عدة عوامل، ساهمت جميعها في خلق المناخ المناسب، والتربة الخصبة لاستنبات هذا النوع من الجنوح، الذي انعكست آثاره السلبية على الحياة العامة: هدر مدرسي، ارتفاع معدل العنف حتى على الأصول،الإجرام بأشكاله المتنوعة، وتعدد أنواع السرقة... إن مسؤولية تنامي هذه الظواهر الخطيرة أضحت مشتركة بين مختلف مكونات المجتمع،بدءا بالأسرة التي فضلا عن إهمالهالواجب المراقبة في البيت، تخلصت أيضامن عناء السؤال عنالسير الدراسي لأبنائها،وإذا ما انكشف أمر أحدهممتلبسا، فإنها درءا للفضيحة تلجأ إلى التسترعنه، بدل البحث عن المسببات ومحاولة إيجاد الحلول الناجعة...مرورا بالمدرسة التي صار المدرس موزعا بين تحمل ثقل المسؤولية ومواجهة حجم العنف الممارس عليه، حيث البعض يتملص مرغما من واجباته تاركا الحبل على الغارب، بغضه الطرف عن المتغيبين والمتعاطين للمخدرات، مع ما يعقب ذلك من سخاء في نقط المراقبة المستمرة، مقابل راحةوسلامة مفقودتين.فيما الإدارة بدورها،تكاد تتخلى عن مهامها التربوية، لما بتنا نلمسه من تراخعلى عدة مستويات: انعدام الجدية في مراقبة المرافق الحيوية المنعزلة عن المكاتب الإدارية،التغاضي عن استطلاع ما يجري في الحجرات الفارغة،المراحيض والمستودعات، الممراتوالساحة خاصة أثناء فترات الاستراحة ...فقدانالصرامة في ردع المخالفين لبنود القانون الداخلي،وعدمالحرص على مراقبة أوراق الفروض واستثمار نقطها، واستدعاء أولياء التلاميذ كلما دعت الضرورة إلى ذلك، وتتبع المواظبة والسلوكعبر الآليات المعتمدة في النصوص التشريعيةوالمذكرات الرسمية المنظمة للحياة المدرسية... إضافةإلىالغياب شبه الدائم للأمن في جوار المؤسسات التعليمية، وانتفاء وجود أجهزة للزجر والاستباق من قبيل كاميرات المراقبة، مما شجع على تفاقم الأوضاعوزاد في تعقيد مأموريات الجميع، و قاد الأبناء والبنات معاإلى الارتماء في أحضان الرذيلة والانحراف، لتتفرق بهم السبلوينصرف العديد منهمعن الدراسة، في رحلةالبحث المضني والمحفوف بالمخاطر، عن مصاريف المخدرات التي استوطنت قلوبهم واستعبدت عقولهم...
وإذ نثمن عاليا، ما أقدمت عليه إحدى دور الشباب بمدينة الدار البيضاء، باحتضانها في سرية تامة اللقاء الأول لائتلاف تلاميذي، أخذ على عاتقه مسؤولية محاربة الآفة في أوساط التلاميذ بمجموعة من المؤسسات التعليمية، وتعهد بمضاعفةالجهود لابتكار آليات حديثة ومتطورة سعيا إلى رصد حركية مروجي المخدرات، وتكوين قاعدة معلومات عنهم تساعد السلطاتفي التدخل السريع متى سنحت الفرص، فإننا نأمل أن تتلو هذه الخطوة الشجاعة، خطوات أخرى ناجحة من لدن كل الغيورين والشرفاء، وأن يتواصل التنسيق بين وزارتي التربية الوطنية ووزارة الداخلية، عبر وضع مقاربة أمنية كفيلة بتشديد الطوق على كل من له علاقة مباشرة أو غيرها في اتساع رقعة هذا الجحيم، وفي الوقت ذاته نجدد الدعوة إلى جمعيات المجتمع المدني،إلى أمهات وآباء التلاميذ وكافة الأطر التربوية والإداريةكل في دائرته إلى توخي اليقظة وتحمل كافة المسؤولياتمن أجلحماية ناشئتنا، وأكيد أنالشرطة المدرسيةوفرق مكافحة المخدرات لهما من القدرات والكفاءة ما يؤهلهما للإيقاع ليس فقط بمروجي هذه السموم، بل حتى بكبار مزوديهم الرئيسيين الذين يؤمنون لهم وصول البضاعة المحرمة... فلنتحد جميعا ضد حرب المخدرات المعلنة على مدارسنا...
