تمرين ديمقراطي
توفيق بوعشرين
بعد أيام سيعرض مشروع دستور جديد على أنظار المغاربة بعد أن يقول الملك فيه كلمته، وبعد الاستشارات غير الملزمة مع الأحزاب. المستشار الملكي، السيد محمد معتصم، وهو فقيه في القانون الدستوري، بدأ يبشر بحسنات الوثيقة الأساسية في المملكة، ونقل عنه، في الاجتماعات المغلقة مع قادة الأحزاب السياسية، القول «إن مسودة الدستور الجديد جد متقدمة، وهي تتجاوز حتى أفق خطاب 9 مارس»، مما يعني أن لجنة المنوني أخذت بالتوجيه الملكي الذي دعاها إلى الاجتهاد والتطلع إلى أكثر مما رسمه الملك في خطابه.
المؤشرات الأولى تقول إن 99 % من الأحزاب السياسية ستوافق على مسودة الدستور، وستصفق لبنوده واحدا واحدا، لأنها لم تحلم بهكذا دستور، ولا هي كانت في طليعة المعركة من أجل فرض مطلب الدستور، وحتى الاتحاد الاشتراكي، الذي عرف تاريخيا بدفاعه عن أولوية إصلاح الدستور كمقدمة لإصلاح أوضاع البلاد، اكتفى كاتبه الأول، السيد عبد الواحد الراضي، بوضع مذكرة لدى سكرتارية القصر الملكي، ورجع إلى بيته دون إلحاح لمعرفة الجواب، ولا حتى نشر فحوى مذكرة الحزب، وكأنها رسالة سرية.
المؤشرات تقول كذلك إن أغلبية من سيذهبون إلى التصويت على أول دستور في عهد الملك محمد السادس سيقولون نعم، بغض النظر عن مضمون الدستور، لأن الناس يريدون الخروج من حالة «الارتباك» والتخلص من حكومة عباس الفاسي التي كانت أكبر عقاب جماعي للمغاربة منذ الاستقلال وإلى اليوم. السؤال الآن هو التالي:
هل السلطة، ووزارة الداخلية تحديدا وتلفزيون العرايشي بالأخص، ستسمح للأصوات المعارضة بالتعبير عن رأيها؟ هل لا للدستور أو الدعوة إلى مقاطعة الاستفتاء سيكون لها الحق في التعبير عن نفسها في الشارع والتلفزة والإذاعة؟ هل ستُحترم حقوق من يعارض؟ هذا أولا، ثانيا: هل ستقف وزارة الداخلية والإعلام الرسمي على الحياد، أم إنهما سيعتبران الدستور دستورهما ومعارضيه أعداءهما، والمؤيدين له حلفاءهما؟ مادام الملك عرض الدستور على استفتاء إلا والأمر يحتمل قول لا كما نعم، ولهذا فإن أول اختبار لمدى احترام إرادة الأمة، وأول اختبار للنوايا سيكون هو الطريقة التي سيمر بها الاستفتاء على مشروع الدستور، وإعطاء كل الأرقام بشفافية، ومن هنا نقولها: لا تعولوا على مشاركة كثيفة في الاستفتاء على الدستور. بالعكس، الرهان الآن هو شفافية ونزاهة الاستشارة الشعبية فهي التي ستعطي المصداقية للوثيقة الدستورية... نتمنى أن تنجح بلادنا في هذا التمرين الديمقراطي، وألا نسمع زعماء بعض الأحزاب يقولون إن المغاربة يقبلون كل ما يأتيهم من الملك لأن هناك بيعة في أعناقهم... كما قال أحرضان ذات استفتاء على الدستور أيام الراحل الحسن الثاني، حين كانت حملات التجييش للمصادقة على الدستور تتم بالبندير والزرود برعاية القياد والعمال والمقدمين، حتى إن بعض مكاتب التصويت كانت تضع أوراق نعم بيضاء وحدها خيارا واحدا أمام المواطن دون وضع أوراق لا، وكانت النتائج تعلن قبل صلاة العشاء في نفس يوم التصويت وعليها طابع: 99.99 % قالت «نعم أسيدي».
الإجماع لا يهدد الديمقراطية فقط بل يقتلها. الاختلاف وحده يحميها، وإذا كان الله، عز وجل، سمح لعدوه الأول الشيطان بمعارضته ونقل كلامه في القرآن، فكيف لا يسمح البشر لبشر بالأخذ والرد والاستدراك والمعارضة حتى. إنها قوانين الأرض كما السماء.
