ربيع الديمقراطية العربية و خريف \" الإسلام السياسي \" !

ربيع الديمقراطية العربية و خريف \" الإسلام السياسي \" !

 

الأستاذ : الصادق بنعلال

1 -  فشلت الأنظمة العربية طيلة مراحل فترة " الاستقلال " مجتمعة و منفردة ، في بناء كيان وحدوي أو تجربة ديمقراطية حقيقية  ، و في المقابل فإنها نجحت بشكل مدوي في تضييع فرص إنجاز استحقاقات تنموية و إقامة مجتمعات عصرية ، تمتح من معين الحداثة و المنجز السياسي الكوني . بل إنها استحلت النوم في العسل و تبدير المال العام و نشر المسلكيات السياسية الهجينة ، و القائمة على اقتصاد الريع و شراء الذمم و الاستفراد بالحكم و الاستبداد ، و تهريب مستحقات الشعب العربي إلى الدول الغربية " الصديقة " . كل ذلك تحت ذريعة الانشغال بالقضايا المصيرية للأمة ، من قبيل تحقيق الأمن و استرجاع " كل فلسطين " و " مواجهة " العدو الإسرائيلي ؛ إلى آخر لائحة الشعارات الزائفة. و جرت مياه متدفقة تحت جسر العالم العربي ليكتشف الشعب و الشباب على وجه الخصوص أن الأهداف الإستراتيجية  التي طالما نادى بها حكامنا " المبجلون " ما هي إلا أضغاث أحلام و كلام الليل يمحوه النهار . لقد تيقن الشارع العربي بالملموس أن الآخذين بزمام الأمر هم أصل الداء ، فأغلبهم جاء إلى سدة الحكم على ظهر دبابة إثر انقلاب عسكري دراماتيكي ، يعانون من خصاص فكري و شح في المعرفة السياسية الدولية و عقم في توليد وسائل و آليات الحكم الرشيد ، فاتخذوا من التوريث عقيدة و من تفقير " رعاياهم "مسلكا ومن الفساد و القمع " منهج حياة " .

2 -  و بعد أن تمكنت الأنظمة العربية و أجهزتها الاستخباراتية من إلقاء " الهزيمة " بالتيارات و الأحزاب اليسارية ، المتشبعة بالفكر الشيوعي الثوري ، في الستينيات و السبعينيات من القرن الماضي ، حيث كان مصيرها السجون و المعتقلات و التصفية الجسدية .. تسيدت الجماعات و الحركات الدينية أحيانا كثيرة ، بمباركة أصحاب القرار أنفسهم ، حاملة لمشروع " مجتمعي " يدعو إلى العودة إلى " السلف الصالح " ، أو تحيين تجربة " العصر الذهبي ّ أو ّ القومة ّ من أجل بناء ّ الخلافة على نهج النبوة " . و الواقع أن مختلف حركات الإسلام السياسي قد تمكنت من إقناع شريحة لا باس بها من الفئات الاجتماعية بفضل العمل الميداني ، و سياسة القرب و الإنصات إلى المواطن العادي و حل بعض مشاكله اليومية  ، و بساطة الوعي السياسوي الذي يختزل معوقات الإقلاع الحضاري في شعار حافل بالوجدانية و التأثير العاطفي : " الإسلام هو الحل " . و على الرغم من التضييق المحكم الذي فرضته الأنظمة العربية على هكذا تيارات تستقرئ الحاضر بالماضي و تروم السباحة في النهر مرتين ، إلا أن الواقع الملموس أبان بما لا يدع مجالا للشك أن التعاطي مع الإشكال السياسي بحصر المعنى ، يتطلب ألوانا من الأوتوماتيزمات ، لتصريف المنطلقات الفكرية ، و أجرأة المعطيات الوطنية و الإقليمية و الدولية ، من زاوية براغماتية حتى لا يتم السقوط في المحظور : العنف و التدمير الذاتي .

3 -  و على النقيض مما سبق ، ثارت ثائرة الشباب العربي المتعلم ، و المنضوي في ثقافة تكنولوجيا المعلومات و مواقع التواصل الاجتماعي ، و خرج إلى " ساحات التحرير " للمطالبة بالإصلاحات العاجلة و الجذرية للأنظمة المأزومة ، و لم تكن حادثة الشاب التونسي " محمد البوعزيزي " إلا القطرة التي أفاضت الكأس ، إذ اشتعلت المدن و القرى العربية بالاحتجاجات اشتعال النار في الهشيم ، لقد نزل هؤلاء الشباب الذين أرادوا الحياة  يواجهون جنون " الزعماء " ، و تعطشهم للقتل و سفك الدماء ، و لئن كانت بعض الجماعات الدينية قد شاركت بحماس ملحوظ في الحراك الشعبي المزلزل ، و في أكثر من بلد عربي ، فإنها لم تتمكن من فرض وجودها أمام جيل يحلم بإسقاط بعض الأنظمة الفاسدة و إقامة نظام ديمقراطي ، ينهل من نبع الفكر الإنساني و القوانين و المواثيق الدولية ؛ نظام تسود فيه قيم المواطنة و المساواة و التسامح و الحرية ، و وضع حد لنهب الثروات العامة و مأسسة المجتمع ،و محاربة كل أنواع الفساد السياسي و الاقتصادي ، و تغول الأسر الحاكمة في البلاد و العباد . دون أن يعني ذلك تهميش العامل الديني أو التقليل من دوره الأساسي ، و سواء كان  تراجع " الصحوة الدينية " يعود إلى الإسلام السياسي نفسه الذي لم يتمكن من التكيف مع مستلزمات العولمة و التحولات السوسيو اقتصادية و الإستراتيجية العالمية ، أو كان ذلك يعود إلى صحوة مدنية متجددة ستقرئ الواقع الملموس بالطريقة الملموسة ، بعيدا عن التمترس الحزبوي ، و التشرنق في المذاهب الميتافيزيقية الكبرى ، فإن النتيجة واحدة : و هي أن الشباب العربي كان له كل الفضل في إعادة السياسة إلى وظيفتها الأصلية ؛ تدبير الاختلاف و عقلنة التداول السلمي على السلطة في أفق حضاري و حديث !

باحث في قضايا الفكر و السياسة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة