نون عين ميم
بقلم د. طارق جبل
لولا النفس الأمارة بالسوء، لكان من يؤيدون الدستور الجديد أراحوا أنفسهم وأراحونا من الكلام الفارغ والحجج الواهية. ولولا النفس اللوامة، لكنا أرحناهم وأرحنا أنفسنا من مشقة الرد عليهم، وسخرنا قلمنا الركيك لأمور أخرى عالقة عن حكمة العرب في صمتهم أمام ما يحدث في مزرعة القذافي وزريبة الأسد، أو لعلنا التفتنا بلغتنا العربآمازيغية الفرنسية الرسمية الجديدة لمعالجة شؤون استراتيجية أشد إلحاحا تعلق سعر الشاي في الصين بوفاة الملازم كولومبو.
وقف في أيامنا خطباء الأحزاب الفاسدة، صاحبة البكارة السياسية المفضوضة والمصداقية الشعبية المفقودة منذ حقبة جيولوجية أخرى، بين الناس في الأسواق، يحاضرونهم في الديمقراطية ودولة الحق والقانون والعدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات وغيرها من تفاصيل مغامرات أليس في بلاد العجائب. تهلل جموع المريدين وتكبر بعد كل جملة لا يصح وصفها بالمفيدة، كما لو كان خطباء زمانهم المفوهون قد اكتشفوا دافعة أرخميدس وسط حمام الجماهير، وكما لو كان باقي المغاربة ممن يخالفونهم الرأي يدينون بالديانة البودشيشية ويمارسون الطقوس الزرادشتية.
هكذا تكلم زرادشت، فقال: انظروا إلى عدد المريدين الهستيريين من الأميين الذين قرؤوا الدستور الجديد في المنام فاستوعبوه ووافقوا عليه. كونوا ديمقراطيين واستروا قلتكم بأغلبيتهم...
سنفترض مع زرادشت أن صناديق الاقتراع السوداء استبدلت في يوم وليلة بصناديق أخرى شفافة بقدرة سيدي بوعزة الذي نجح في تحضير روح النزاهة والأمانة والمصداقية من حيث يعلم ومن حيث لا نحتسب. وسنطلق العنان لخيالنا العلمي، لنقدر أن سيدي بوعزة فشل في حساب خزعبلاته المعقدة، فأتى بالديمقراطية جاهزة للاستهلاك بعد أن علبتها العفاريت الكلينغونية في الصناديق الشفافة...لكن هل يكون للديمقراطية غير معنى مبتذل في غياب الوعي وحضور الأمية؟
قبل أن يتهمنا زرادشت وشركاؤه بأننا من أصحاب المنطق الدائري وهواة الدوران في الحلقات المفرغة بين بيضة الوعي ودجاجة الديمقراطية، لابد من التذكير بأن بيداغوجيا التوعية السياسية تقع على عاتق النخب التي تحترم نفسها وقاعدتها وتؤمن فعلا لا قولا بالديمقراطية. أما أسلوب الديماغوجيا وتخذير الجماهير فلا ينهجه إلا من أراد السطو على السلطة يتسلط بها على مصلحة الوطن، ومن تمنى دوام حال الجهل يهنئ المواطنين عليه.
هكذا تكلم زرادشت، فقال أن مقاطعة الاستفتاء حول الدستور عمل لاأخلاقي، فيه من الخيانة والجبن أشكال وألوان...
عندما يتحدث زرادشت عن الخيانة والجبن، لابد من أن ننصت لصوت الخبرة والتجربة في هذه العلوم المستعصية. لكن يبدو أنه تناسى أن حاجة البلاد لدستور لا يقدم إلا حبرا على ورق ولا يؤخر إلا تطبيق القانون ومحاسبة الفاسدين، ارتقت من موضع الجدل إلى مرتبة الهزل.
ما زالت أمام زرادشت أيام قليلة، لكنها أكثر من كافية، ينعم فيها على الأنعام بمحاربة الأمية. يعلمهم ثلاثة حروف، لا يزيد عليها حرفا واحدا: نون، عين، ميم. حتى يقولوا:
نعم لدوام الفقر والأمية والجهل و البطالة.
نعم لاستمرار الفساد والرشوة والمحسوبية.
نعم لوطن يغفر لمرتزقة البوليساريو جرائمهم ويجازيهم عليها.
نعم لوطن لا يرحم أبناءه ويعاقبهم بسياسات التهميش والقمع والاستبداد.
نعم للخضوع والذل والهوان.
نعم للاستعانة على إرادة الجماهير الشعبية في سبر بحور التغيير والإصلاح برغبة عملاء الداخل والخارج في الاستقرار على يابسة العمولات والمصالح المتبادلة.
نعم لتوظيف الدين في الخطب السياسية وتحينطه في متاحف التراث ومهرجانات الفولكلور.
نعم للحبر والورق، وبيع السمك في البحر.
نعم لبيع جلد الدب القطبي قبل اقتناصه بين فصول الدستور المغربي.
نعم لطواحين الكلام الفارغ ومنطق المغالطات في الإذاعة والتلفزيون.
نعم، بوسعنا أن نكلف نفسنا المطمئنة عناء هذه الخطوة الصغيرة في الاتجاه الصحيح... نحو الهاوية.
http://gibraltarblues.blogspot.com
