الدراويش قادمون

الدراويش قادمون

 


توفيق بوعشرين

لا يحدث هذا إلا في المغرب. الزاوية البوتشيشية، التي أصبح لها نفوذ قوي في المملكة، تخصص، يوم السبت القادم، ليلة ذكر ودعاء وجذبة وأوراد بمناسبة المصادقة على الدستور. الزاوية، التي يقودها «سيدي حمزة» من مداغ، ذاقت طعم السياسة فأعجبها، وهاهي تتمرغ في وحلها، وبعد أن كانت تصدر بيانات تساند الدولة من بعيد، أصبحت تنزل إلى الشارع للتظاهر ردا على حركة 20 فبراير، وها هي تخصص ليلة كاملة للدعاء للدستور... وعندما يعترض معترض على عمل الزاوية وخروجها من التربية الصوفية إلى أتون الصراع السياسي، يقول رموزها: «إننا لا نمارس السياسة، وإننا سائرون خلف أمير المؤمنين»، والحقيقة أن الزاوية أصبحت لعبة في يد جهات في السلطة تريد أن توظف الزوايا وعموم التدين الصوفي للرد على جماعة العدل والإحسان، في محاولة لجر البساط من تحت أرجل جماعة ياسين، على اعتبار أن هذه الأخيرة تعلن انتسابها إلى الإسلام الصوفي... أي أن السلطة تريد أن تقول: «ها هم أتباع سيدي حمزة في مواجهة أتباع سيدي عبد السلام»... لا بد أن نعترف لصاحب هذه الفكرة بالدرجة العليا للغباء.

إن تسييس الزوايا والطرق والجمعيات الروحية وغير الروحية لعبة خطرة.. اليوم يتحكمون فيها، وغدا لن يقدروا على السيطرة عليها. ألم تستخلصوا الدروس من سياسة البصري والمدغري اللذين شجعا التيار السلفي التقليدي، بزعامة المغراوي والفيزازي وغيرهما، لمواجهة حركات الإسلام السياسي. ماذا كانت النتيجة؟ بعد الانقلاب الفكري والإيديولوجي الذي وقع للتيار السلفي القادم من السعودية، وانشقاق الشيخ أسامة بن لادن عن المؤسسة الدينية الرسمية في بلاده، وتحوله إلى الاتجاه الراديكالي الذي كفر الحكام المسلمين بعد أن انتهى من قتال الإلحاد السوفياتي في أفغانستان.. ماذا وقع هنا بالمغرب؟ تحول الاتجاه السلفي، الذي كان منشغلا بالسنة والبدعة واللحى واللباس والحلال والحرام، إلى تيار جهادي غذى تنظيم القاعدة والخلايا المرتبطة به.

بعدما ظل وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية في مكانه، وهو الذي حرر منشورا دعائيا لصالح الدستور وبعثه إلى خطباء المساجد يأمرهم بتلاوته على رؤوس الأشهاد باعتباره «موعظة حسنة».. وحين لم تتصد الحكومة والأحزاب وعقلاء هذه البلاد لهذا التوظيف «الرخيص» للدين والمساجد والفقهاء... فلماذا الآن نعاتب حزب وزير الأوقاف «البوتشيشي» على نزوله إلى الشارع، وتخصيص ليلة للذكر دعاء وابتهالا لله أن يحفظ الدستور وينصره على أعدائه، ويجمد الدم في عروق خصومه، ويقطع دابر من قال لا أو قاطع استفتاءه... أيوجد عبث أكبر من هذا؟ أيوجد توظيف للدين أكثر ابتذالا من هذا؟ أيوجد انتحار للعقل أعظم من هذا؟ أتوجد أمم تبني انتقالها الديمقراطي في الزوايا وعند أعتاب الدراويش؟ حق للعقل أن يعلن استقالته من مشهد سياسي ليس الحكمة وحدها ما ينقصه حتى نضيف هذا المشهد توابل الخرافة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة