كعكة المنتخب الوطني
محسن زردان
هل نحن كمجتمعات متخلفة في حاجة إلى كرة القدم؟ إذا كانت ممارسة هذه اللعبة في شكلها الاحترافي الحديث يتطلب أموالا باهظة تثقل كاهل ميزانيات الدول، إذن فلماذا نستمر في ممارستها؟
الأزمة الاقتصادية العالمية، استطاع لهيبها أن يصيب غالبية بلدان العالم، التي أجبرت على انتهاج سياسات تقشفية طالت كل الميادين باستثناء عالم المستديرة الذي زاد مستوى الإنفاق عليه وعلى أجور لاعبيه ومدربيه بشكل فاق كل التوقعات، مما حدى بالكثيرين إلى اعتبار ذلك بمثابة وصمة عار واحتقار للإنسانية ولمعاناة الشعوب والطبقات الفقيرة التي لا تجد كسرة خبز ولا جرعة ماء.
الشيء الجدير بالذكر في سياقنا الوطني، هو المسلسل الحزين لكرة القدم الوطنية وما واكبه من صخب ولغط كبيرين مع انتخاب الجامعة الملكية للعبة كرة القدم، ليأتي فيما بعد اختيار ناخب وطني سيمتص أموالا طائلة مقارنة بمستوى الدخل والأجور في المغرب، حيث سيتقاضى أجرة شهرية فلكية من أجل إدارة بمعدل مقابلة واحدة في الشهر على أكثر تقدير، تتطلب أسبوعا فقط من العمل والاشتغال، الذي قد لا يتجاوز ثلاثة ساعات في اليوم، حيث بحكم الواقع يقوم المدرب بارتداء بذلة وقبعة رياضية وحمل سفارة في فمه تم لملمة أصابعه ببعض الإشارات وتبادل بعض الكلمات والضحك والمجاملات التي يصفونها بالإعداد النفسي للاعبين، وكذا خربشة من الخطوط على اللوح لرسم الخطط التي ربما ستنقذ المغرب من فقره وبطالته وأزمته الاقتصادية، فضلا عن النزول للمبيت والأكل في أفخم الفنادق المصنفة، والتمرن على عشب أرضية ملاعب خضراء صيانتها وحدها، تحتاج إلى أموال مكلفة من أجل أن تعبث بها أقدام كمشة من اللاعبين المدللين، في حين شرائح واسعة من المواطنين تتلحف العراء وأرصفة الشوارع بدون عمل ولا أفق في المستقبل.
من جهة أخرى، ولأجل بذل المجهودات الجبارة و المضنية يبادر المدرب الوطني بالتحليق للقيام بزيارات مكوكية لأوروبا للتنقيب على اللاعبين وما يصاحبها من تكاليف موجعة تبدأ بالنقل في الطائرات وبطبيعة الحال في المقاعد vip ، مرورا بالإقامة في أفخم الفنادق وصولا إلى استغلال المقام لممارسة هواية التسوق وزيارة المتاحف ودور السينما.
ناهيك عن التجمعات الاعدادية خارج الوطن أو ما يمكن الاصطلاح عليها بالجولات السياحية بالدول الأوروبية داخل منتجعاتها السياحية الفخمة، وتوفير مصروف الجيب اليومي للاعبين، للنزهة والاستجمام، وكل ذلك من أجل تشريف القميص الوطني، الذي لن يشرفه في حقيقة الأمر سوى إذا تم تحويل هذه الأموال لتنمية البلاد والعباد و وتوفير قمصان لأبناء جلدتنا الذين يلفحهم البرد في أعالي الجبال.
إنه تلبية نداء الوطن، كما يصرحون بأدنى استحياء، الذي للمفارقة يستدعي أن يتقاضى المدرب الوطني الجديد أجرة شهرية صافية تعادل خمسون مليون (50) سنتيم، والمدرب المكلف بالمنتخب المحلي ثلاثون مليون (30) سنتيم فقط، ما شاء الله، اللهم أنعم وأكرم، ناهيك عن امتيازات السكن والنقل والمنح والحوافز والتحفيزات، فضلا عن ترسانة بشرية من الأطقم التقنية والإدارية تضاهي في تعدادها التشكيلة الحكومية، إنها بحق دولة داخل دولة، تمتص سيولة مالية كبيرة يصل أجر مدرب مساعد من بينهم أو معد بدني من عشرة مليون (10) إلى عشرون (20) مليون سنتيم كمثال، فضلا عن الباقية المتبقية مما يجعل الأمر موغلا في التبذير والاستهتار بأموال دافعي الضرائب، وكل ذلك تحت يافطة تلبية نداء الوطن، مما يجعلنا نقول أن التهافت على المنتخب الوطني هو في حقيقته استجابة لنداء المال أكثر من استجابة لشيء آخر يقال له نداء للوطن.
في تقديري الخاص، تلبية نداء الوطن ومراعاة المصلحة الوطنية يستلزم أن يتقاضى المدرب مثله مثل أجرة باقي العباد من موظفي الدولة، أو الاكتفاء بالغنائم التي تم جنيها من ممارستهم السابقة لكرة القدم من مقدرات الدولة، حيث نجد أن في غالبيتهم استفادوا من مأذونيات للنقل مازالت تدر عليهم أموالا لحد الساعة، لكن للأسف مازالوا يريدون مراكمة الأموال تلو الأخرى.
بدأت في الأفق تلوح مؤشرات قد تشكل تحولا كبيرا في تعاطي الشعوب مع التكاليف الباهظة لكرة القدم، من خلال تنظيم فعاليات كأس العالم المقبل بالبرازيل حيث تنقل وسائل الإعلام العالمية احتجاجات كبيرة ومتواصلة لساكنة المدن البرازيلية التي تحتج على إعطاء الأولوية لبناء الملاعب على توفير الخدمات الأساسية من صحة وتعليم وتشغيل للمواطنين، مما شكل إحراجا كبيرا للفيفا التي أصبح ينظر إليها كمؤسسة دولية فاسدة تدعم تنظيم التظاهرات المكلفة على حساب مآسي الشرائح الفقيرة.
ربما قد تكون العبارات التي صرح بها أحد المحتجين في البرازيل أثناء استجوابه أكثر رمزية و دلالة بقوله، عندما أجوع وأجلس على مائدة الطعام فإنني لا أتناول كرة القدم.
