محاكمهم..ومحاكمنا
بقلم: محمـد اسلـيم
تسوءك المقارنات أحيانا، ويكون مفعولها سلبيا بل وكارثيا عليك خصوصا في غياب مجال للمقارنة وقد صدق الذي قال: لا مقارنة مع وجود الفارق، والفارق هنا كبير وكبير جدا.
أثار الإعلامي الشاب الشقيري مؤخرا في برنامجه خواطر7 ـ وهو في الحقيقة حقائق بالصوت والصورة ـ وضعية المحاكم في بلدين متباعدين أحدهما أوربي والثاني خليجي، ويا ليته ما فعل. فالأولى محاكم أوسلو النرويجية بجماليتها وأنظمتها، ولندع الجماليات اليوم ـ ما دمنا إفتقدناها في جوانب حياتنا الجمالية حتى، فما بالك بمحاكمنا؟ ـ ولنركز على ما هو تنظيمي ويحقق العدل بهذا البلد الإسكندنافي. فبمشاهدة بسيطة لقاعة المحكمة، تطالعنا ثلاث مقاعد بالطاولة المخصصة لهيئة الحكم، مقاعد تخالها منذ البداية لقضاة الأحكام كما هو الحال عندنا، ليتضح فيما بعد أن أحدها لقاض نظامي والآخران لمواطنان يحضران الجلسة بجانبه، ودورهما السهر على موضوعية القاضي ونزاهته. وبالقاعة ذاتها كاميرات تسجل الجلسات جميعها من أجل مراقبة بعدية لضمان حقوق المتقاضين.. وتطالعك بنفس القاعة مقاعد خاصة ـ أقول خاصة ـ بالصحافيين والإعلاميين.. عناصر ستساهم لا محالة في عدالة قضائهم. وكيف لا يكون عادلا من تراقبه هيئة القضاء والمواطنون والسلطة الرابعة، وأيضا وهذا عنصر هام جدا لكونه يتقاضى أجرا معدله 13000 دولار. ليس كمحاكمنا حيث القاضي يبث وتقرر وهو سيد قاعته.. لا كاميرات، لا مواطنين، لا إعلام ولا هم يحزنون كما دأبنا على القول.
ولننتقل إلى بلد عربي إسلامي، إلى دبي الإماراتية، حيث المحاكم عبارة عن فضاءات تشعرك بالأمان، وتشجعك على التقاضي للحصول على حقوقك كاملة غير منقوصة.. بدل إشعارك بالرهبة، ورفع الشعار العربي: المواطن متهم حتى تثبت براءته وليس العكس.. وهو الحال للأسف في محاكمنا.. مما يدفع بكثير من مظلومينا إلى التنازل عن حقوقهم المشروعة.. ولنعد إلى المحكمة بدبي حيث تجد مواقف كافية للسيارات، وفضاءات للإستقبال، وكافيتريات، وعيادة مجهزة للإسعافات، ومكتبة، ومترجمين للعديد من اللغات، وشبابيك وحيدة للخدمات الإدارية، ووكالة بنكية، وأجهزة إعلامية تغنيك عن سؤال أي كان بل تقدم لك الشروحات صوتا وصورة، وتنظيما محكما لسير الجلسات ـ وهذا مهم جدا ـ فهناك شاشات تعطيك معلومات عن قضيتك وكذا توقيت عرضها على الهيئة، وهنا تمت مراجعة العديد من المحامين والمحاميات وكذا بعض المرتفقين والذين أكدوا جميعا مسألة إحترام الوقت المحدد بل ودقته، كما عمل فريق البرنامج على متابعة قضية ليتأكد وفعلا ذاك ما كان.. وتركيزي على مسألة الوقت هاته، يعود إلى تجربة عشتها خلال الأسابيع الأخيرة بمحكمة للأسرة قريبة من مراكش، والتهمة إستدعاء لعضوية لجنة صلح لزوجين مقبلين على الطلاق. الإستدعاء يشير إلى الساعة الثامنة والنصف صباحا، وفعلا إلتحقنا في الوقت المحدد ببهو المحكمة. ولكنها لم تكن سوى بداية ليوم طويل جدا من الإنتظار والمعاناة، إنتظار إمتد لما يزيد عن سبع ساعات ولم تكن المناداة علينا إلا في حدود الرابعة مساء.. إنتظار ومعاناة أفقدتنا أعصابنا ـ ونحن أعضاء للجنة المفترض فيها أساسا المحافظة على أعصابها حتى يتسنى لها القيام بدورها الإصلاحي ـ وجعلت اللجنة في حاجة هي نفسها للجنة أخرى. لنطرح سؤالا لا بد منه: أو إنتظار مأساوي كهذا كان ضروريا؟ أو توجيه الدعوات في وقت واحد لكل المتقاضين كان ضروريا؟ حتما كانت لتكون صيغة أخرى أكثر إنسانية.. وأكثر مواطنيتة..
