صــاحِــبةُ الجـــــلالــــة

صــاحِــبةُ الجـــــلالــــة

الحافة حسن

 

سُموها تتربع على عرش قلوب المغاربة، يتقاتلون من أجل نيّل رضاها و حلاوة طعم عدم قسوة الحصول عليّها. يستيقظون مع كل صياح ديــك أو إشراقة أول شعاع شمس الصباح بُغيّة تبلِيّلِ  كُمّ قمصانهم بعرق تعبِ و شقاء ضمان دُريهمات تُعفيهم من جبروت مِلحاحيتها، وإستحالة التخلّي عنها تحت أيّ ظرف كــان.

نُقدم لها فروض الطاعة و الولاء كل دقيقة و ثانية، لا نحتاج لصورٍ لها كي نُعلقها على طِلاء الجدران الباهت، و لا لإنتظار مرورها في نشرة أخبار كي نركع لسُمو جلالتها. فنحن نؤدي لها الطقوس كل ما نادتنا رغبة تذوقها لذلك.

 تتغنج لأنها تعرف قيمتها و موقعها في بُطــون الجميع. طفل يبللها في كأس شاي بارد، عجــوز يزيل أحشائها البيضاء كيّ لا يترك أسنانه خــلف أول قَضمَة. شاب يحشوها بما رغبت فيه معدته، و شابة يلامسها أحمر شفاهها قبل أن تستقر في قعر بطنها.

التطاول عليها و سَـبّ مرارة الشقاء لسواد عيونها لا يؤدي إلى المشانق    و لا إلى الموت كما الحُكام الفعليين، و غيابها لا يسبب الموت لكنّه يؤدي إلى المهانة و الذل... و هما أقسى ألماً من رؤية جثتك توارى الثرى.

لا بديل يحل محلّها، لا "الملّوي" و لا غيره. تُمضغ "حرفي" أو بها شيئ من نزر ما جادت به الطبيعة على الفقراء و المقهوريين.

ثمنها يقارب الدرهم و النصــف، يبدو المبلغ زهيدا لكن في مثل هذه البلاد حيث لم يترك اللصوص خلفهم شيئ، و حيث البطالة و الفقر و الإستبداد. فإن الدرهم ثروة يعكف الفقراء و الكادحين على جمعها بالسنتيمــات.

أجهزوا على كل شيئ و لم يتبقى لهم إلا هــيّ، جعلونا لاجئيين في أوطاننا. ندفع ثمنا مضاعفا كي نحصل على اليسيير من الفتات كي يضمنوا به بقائنا أحياء، ليمارسون ساديتهم عليّنا و يفرغُون عقدهم المريضة على جيوبنا.

سيزيدون من ثمنها و ستتضاعف محنة الوصول لرضاها. سيتبلل كُمّ القميص و لن يكفي حجم البلل لنيّل رضاها وستنتظر المعدة كثيرا كيّ يصلها شيئ من عطف طاقتها كي يستمر الجسد صامدا أمام جبروت الحياة.

الذيّن يركبون السيارات الفارهة لا يدفعون ثمنها، بل هي آخر شيئ يفكرون فيه. نحن المنسيّون من يؤتث كلامنا عبارة "نوض جــري على الخبز". أما هُم فيلهثون خلف "الكافيار" و الموائد المزينة بأنواع من الأكل لا نعرف نحن حتى أسمائها. كل زيادة لا يتضرر منها إلا المسكين كأنه هو الوحيد المخول له الخوف على الوطن من الإنهيار. و هم الذين ينهبونه و يسرقون رغيف الخبز منا لا حرج عليهم من فعل ذلك، بل "عفا الله عما سلف" فالوطن عفور رحيم بهم و شديد القسوة و العقاب عليّنا.

وزراء يقبضون الملايين تِعدادُهم تِعدادُ حراميّة علي بابا، نواب ينامون تحت قًبّة باردة و يعطوننا دورسا في "قلة الحيا" و يقبضون في أخر الشهر ما يكفي المئات من الأسر لتضمن كرامتها المهدورة. "باطرونا" تتفنّن في إذلال عُمالها و تمتص زهرة شبابهم و تُكافئِها الدولة بعدم فرض ضرائب على شركاتها.

نحن هو ذلك الحائط القصير الذي تقفزة شِلة المتحكمين في الشأن كل مرة، صمتنا و سكوتنا جعلهم يبالغون في إخضاعنا و تجويعنا كأنهم لازالوا يؤمنون بصِحّة مقولة من سبقهم: "جوع كلبك يتبعك".

حولنا ثارت شعوب على أنظمة و سقطت أقنعة كثيرة كان يضعها الحُكام، و بانت حقائق ممارساتهم و تكسرت صورهم التي رسموها عن مثاليتهم. فهل الزيادة في جلالة "الخُــبزة" سيعصف بمن سرقنا؟ أم أن الأمر سيمُر كما مرّت الكثير من الزيادات و يبقى الدعاء و الصبر متلازمان للجنس المغربي؟؟؟؟

 

 

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة