انفصام الشخصية أم انعدام الضمير

انفصام الشخصية أم انعدام  الضمير

الحسن بنونة

 

             ربما يلاحظ البعض أن الكثير من الناس  تختلف معاملاتهم  مع الآخرين حسب  وضعيتهم الاجتماعية  ، كانت مادية أو مهنية أو نَسبية أو حتى معرفية ،  و هذا جار به العمل في كل بقاع الأرض ، غير أن  العاقل والمنصف  و المسلم بصفة خاصة يرى أن التعامل مع الآخر يجب أن يكون متساويا بين كل الناس ، ربما يكون تفاوت ما ، لكن ليس في تلك  التي تضر بالآخر.

          وجدت في إحدى الإدارات العمومية  عددا لا بأس به من المواطنين ينتظرون دورهم للاستفادة من خدمة لقضاء حاجتهم ، إنما الغريب أن شبابيك الإدارة كانت فارغة من الموظفين سوى شباك واحد ، بينما موظفات يتداولن الحديث فيما بينهن وراء مقصف الخدمة ، والصوت الذي يأتي من جهتهن خافت  بحيث أسمع منه  القليل  ،وما فهمته هو أنهن يتحدثن عن  مكان قضاء عطلة آخر الأسبوع و كيف مرت مع الأهل والأحباب ، و حين خرج أحد الأشخاص من مكتبه ، وربما هو رئيسهن  ،جرين لشبابيكهن  وشرعن في استقبال المواطنين ، وبعدها بقليل  رُفع الآذان لصلاة الظهر فقالت إحداهن أنا ذاهبة لأصلي فأنا لا أحب تأخير الصلاة ......هنا أريد أن أفهم ..أليس العمل عبادة ؟ فكيف بشخص يجتهد في عدم تأخير عبادة الصلاة و هو يؤخر مصالح المواطنين بالتهاون و مضيعة الوقت في الحديث  و يترك عمله الذي هو في الأصل عبادة ؟ نعم الصلاة في وقتها ضرورة مؤكدة  ، كما هو الإخلاص في العمل مؤكد . و من ترك مكانه شاغرا في وقت العمل دون عذر مقبول  فقد انتهك  حق المواطنين و الوطن .

          وجدت قبلي عددا لا بأس به من الناس ينتظرون دورهم حسب الرقم الذي أخذته من آلة تنظيم  الرواد على البريد الموجود بالقرب من  "مسجد بدر "، حينها لم تكن تعمل إلاّ موظفة واحدة في شباك واحد فوقفت أنتظر دوري و كان تزايد المواطنين باستمرار ، إذ دخل أستاذ جامعي معروف و ناد بصوت عال على الموظفة "بالحاجة"  فتبادلا السلام و السؤال عن الأحوال ثم ابتعد قليلا ، و ما إن انتهت من تقديم الخدمات للشخص الذي كان في الشباك ،  حتى شرعت في تهيئ ملف صاحبنا  الأستاذ ثم نادته   دون حشمة  أو حتى مطالبة المنتظرين  لتقديم الرجل عليهم نظرا لظروف كذا أو كذا ...،  و هذه الموظفة  معلوم أنها أدت فريضة الحج  لأن صاحبنا نداها بالحاجة ، وتجدها  مواظبة على صلاة الفجر و ربما لا تبخل في الصدقات على الفقراء و......

              فكيف يمكنني أن افهم الانضباط على القيام  بالفرائض و المعروف   مع  الاستهتار بحقوق الناس بهذا الشكل البشع ؟  و سألت نفسي عن الأستاذ الجامعي الذي يحاضر في ندوات عدة ويشارك في تقديم كتب لبعض الأساتذة   وربما أنه في مرة تكلم عن  القيم الأخلاقية في محاضرة ما ، كيف يمكن  أن ينسى  الدروس النظرية التي يقدمها إلى الطلبة  و ينسى أو يتناسى أنه يعطي الدروس  بتصرفاته الفعلية أمام كل الناس ،  مع العلم أن الرسول عليه أفضل الصلاة والتسليم يقول ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفس )) وهذا هو الميزان الذي يجب أن نزن به تعاملنا مع الآخر في كل الأحوال صغيرة كانت أم كبيرة ، ذات أهمية أم لا .

             في موطن آخر و بالذات في بيت أحد أفراد عائلتي ، سمعت امرأة تلاحظ على أخت زوج أختها بالقول : أنها لا تقوم بواجبها نحو أم زوجها المريضة ، و أنها لا تزورها إلاّ مرة في الشهر أو أقل ، مع العلم لا يمكن لزوجها أن يكشف عن أمه لينظف ما بها   ، وأن أخت الزوج  أي بنت المريضة تعبت لكثرة الأشغال بين بيتها وأولادها وبين أمها .

         و بعد مرور أشهر معدودة  فقط من هذا الحدث ، مرضت أم المرأة التي كانت تلاحظ على أخت زوج أختها ، فلزمت الفراش ، فبدأت المشاكل بين  الأختين لتهرب  الملاحظة من خدمة أمها بدعوى العمل والأولاد و أشغال البيت .

         هنا أريد أن أفهم ، لما نكون السباقين في اتهام الآخرين بالتقصير في  مهام ما و حين يأتي دورنا للقيام به نكون أقل ممن اتهمناه أو لاحظنا عليه ؟  فأي منطق هذا ...؟ أهو انفصام في الشخصية أم  انعدام الضمير ؟

            و في بيت آخر نجد المحبة والمودة متوهجة بين الزوجين في السنوات الأولى من الزواج  ، وما إن تمر السنوات حتى يبدأ التنافر و بعض الجفاء ، كما نجد الرجل يقضي أغلب أوقاته  خارج البيت  و هو في نشوة مع أصحابه ضاحكا متمازحا و محدثا ، بينما حين يدخل المنزل تجده قد جف وصار حجرة ، لا كلام ولا ابتسامة . بينما المرأة حين يدخل زوجها عليها من الشارع يجدها بملابس خشنة و شعرها غير مستو و وجه شاحب ، إذا ما نظر إليها اشمأزت نفسه منها ، وحين تريد أن تخرج للتسوق أو زيارة أهلها تظل المرأة أمام المرءاة ساعة أو أكثر تزين وتمشط و تضع ألوانا على خذيها و شفتيها و عينيها ، وتخر وكأنها عروسة لم يمر على عرسها سوى دقائق .  

فأي منطق هذا ؟ أهي  شخصيات تتغير حسب الظروف و الأماكن ؟ أم هي مراحل يمر بها كل الناس ؟ أم أن الناس حال وأحوال ؟

 

         و حين نتوجه إلى الشارع ، نرى عجبا ، المكيال بمكيالين هو الأقوى بين الناس ، فشرطي المرور يغرم من يشاء ويتسامح مع من يشاء ، و رجل الدرك  خارج المدينة كذلك ، و حتى إذا ما غرم شرطي أحدا و كان لهذا الشخص معارف في إدارة الأمن فتتحول الغرامة إلى اعتذار من الشرطي المسكين الذي أدى أمانته .

          و في مقام آخر نجد مجمع أناس  في مقهى أو غيرها ، إذا ما تكلم الغني أنصتوا إليه ، وإذا حكي حكاية ضحك الجميع والعكس مع الفقير ، و حتى لا أكون ممن يقولون القول و أنا لا أعمل   به ، ففي مثل هذا المقام  ألاحظ نفسي تسقط أحيانا ، ولو أنني أجاهدها  على تجنب هذا لأنجو بها إلى برّ الأمان

هنا أريد أن أفهم ، لما الوزن بمكيالين مع العلم ربنا يأمرنا بالقسط و العدل بين الناس . أهذا انفصام في الشخصية أم مرض في الضمير ؟

           هي أشياء كثيرة و قصص عديدة ، لا يسمح لنا المقام بذكرها جميعها ، إنما هذه نماذج من الحياة قربتها إليكم  حتى تصل الفكرة .

 

          أسأل الله أن يعافينا من مرض القلوب  ، و أن  يجعلنا ممن فهم حديث رسول الله المذكور أعلاه (( لا يؤمن أحدكم ....الحديث )) فإذا حقا قمنا بتطبيق هذا الحديث العظيم  في المعاملة مع الآخرين  ، فسنكون وبدون أدنى شك خير أمة أخرجت للناس و سنعيش حياة طيبة مليئة بالمودة والاحترام المتبادل .

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة