مهرجان موازين مرة أخرى وكل مرة
الحسين أربيب
لست من المعارضين من أجل المعارضة ، بل هناك أسباب موضوعية حتى أعارض دوما هذا المهرجان مادامت نفس الأوضاع قائمة في وطني العزيز ، اوضاع تتسم بالفقر المقذع والحيف والظلم الاقتصادي والاجتماعي والسطو على القرارات السياسية في غفلة من الشفافية والديموقراطية التي اقتلعوا عروق نبتتها منذ عهود وتركوا الوطن في مفترق الطرق بين الأوطان لا سياسة واضحة المعالم ولا بنيات اقتصادية تعطي الحدود الدنيا من الحقوق كما هي متعارف عليها في العالم، تعليم متخلف مازال في عهد الطبشورة ، في الوقت الذي يتم التعليم عبر الأنترنيت في الدول المتقدمة والبون شاسع بننا وبينهم هو في العالم المتحضر ونحن في العالم المتخلف الذي مازال يجر العهود الغابرة في حياته اليومية ، فتعليمنا لا مناهج له منسجمة مع الواقع وتسعى الى تغييره الى الأفضل وسياسة تعليمة طبقية تكال بعدة مكاييل ، لا ترى المواطن واحدا بل كل وفق موقعه الاجتماعي والاقتصادي، وضع اجتماعي واقتصادي وسياسي لا يسمح بمثل تلك المهرجانات التي تصرف فيها اموالا ، الضعفاء منا احق من أن يستفيدوا منها ولو في شكل "بونات " للتسوق إن لم يخطفها بعض المقدمين الذين لا ضمير لهم، هذا على افتراض انهم قد يفكرون في سن تلك السياسة بعد قراءة مقالي ، وهل هؤلاء يقرأون ؟ نعم يقرأون . ما لن نقرأ نحن .
من الأكيد اننا في حاجة الى فرجة وترويح عن النفس ، خاصة واننا في وضع لا يحسد عليه ، وضع اردته السياسة المتبعة لا يطاق ولا يحتمل خاصة وان الزيادات في اثمان السلع الضرورية لا تراعي القدرة الشرائية التي لم تعد لها اية قوة لمجابهة الهجمة الشرسة على الطبقات الاجتماعية بما فيها المتوسطة التي لها مداخيل قارة ، فما بالك والطبقات التي لها دخل محدود والتي ليس دخل أصلا؟ زيادات في الحليب ومشتقاته ، كما أن القانون المالي لسنة 2014 نص على أن أسعار الشاي والسكر والدهون الغذائية والتبغ والسيارات النفعية سترتفع في يناير الماضي ، حيث سينتقل معدل الضريبة على القيمة المضافة المطبقة على الشاي والدهون الغذائية والسيارات النفعية من 14 إلى 20 في المائة. بينما سيرتفع هذا المعدل بالنسبة إلى السكر وعلف المواشي من 7 إلى 10 في المائة. مما يعني ان الزيادة في الضريبة الداخلية على الاستهلاك الخاصة بالتبغ والمشروبات الكحولية والطاقية وتذاكر الطائرات سيؤدي إلى ارتفاع مباشر في أسعار هذه المواد .وهذا كله لماذا اقدمت عليه القرارات السياسية ؟ فقط من أجل إنقاذ المكتب الوطني من الإفلاس، دون تحريك العدالة القضائية والمحاسبة الإدارية والحكومية للمسؤولين عن ذلك الوضع الذي وصل اليه المكتب والعديد من الشركات والمؤسسات العمومية. هذه الزيادات كانت ومازالت كالصاعقة على دخل المواطن البسيط وما أكثرهم خاصة في ظل سياسة تجميد الأجور مما يؤدي الى تعميق الهوة السحيقة أصلا بين فئات المجتمع الذي لم يعد يحتمل كل هذه السياسة التي لا تعرف الحلول للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية إلا عبر وضع اليد في جيوب المواطنين الفقراء ، بطرق ومسميات تحرير الأسعار التوازن المالي حذف الدعم عن صندوق المقاصة الى غير ذلك من مصطلحات اصبحت لازمة على لسان الحكومة كأنها اكتشافات جديدا .
نعم نريد إشباع حاجاتنا المادية لضرورة حياتية لا أكثر وإشباع اذواقنا السمعية والبصرية وتثقيف عقولنا من مختلف الثقافات ولكن ليس على حساب هوياتنا وجيوبنا واقتصادنا الوطني، لسنا ممن ينظرون للنصف الفارغ من الكأس ولكن الكأس فارغة أصلا ، إذن كيف العمل وسط وضع كل ما وليت وجهك تجد الخصاص ، التعليم ، الصحة ، الشغل ، السكن ، البنية التحتية من طرقات وربط القرى بالمدن وفك التهميش والعزلة عنها وتوفير ضروريات العيش الكريم وسكن لائق بقيمة الإنسان في القرن الواحد والعشرين . سياسة المهرجانات لم تكن في الأصل بريئة بل لها حمولة سياسية تهدف الى تلهية الشباب وابعاده من مواضيع جادة تثقيفة توعوية ، سياسة فيها التفرقة بين الشعب الواحد (لاحظ معي التوزيع الجغرافي لمنصات وبرامجها في هذا المهرجان سيئ الذكر )وكأنك أمام جدران العزل بذلك الانتقاء، بين فئات المجتمع وفق مستواهم الاقتصادي والفكري والاجتماعي، والحال لو كانت السياسة تلك بريئة لما كان ذلك التوزيع الذي كرس واقع التفرقة الذي سنته السياسات المتعاقبة وظلت وفية له لأن من خلاله يمكنها أن تحافظ على استمرارية مصالحها . .
والمهرجان هذا ليس إلا جزء من سياسة طويلة النفس للقضاء على كل مطالب جادة ،وذلك بتمييع الواقع المغربي من خلال اطلاق العنان لأغاني وموسيقى مغيبة وحالمة لجعل الشباب في فضاء افتراضي لا صلة له بالمرارة التي تحرق القلب من بطالة وما يتبعها من حرمان وتهميش وتعاطي المخدرات والغوص في عالم الدعارة والتسول وتحول المواطن المغربي الى كائن خنوع وسلبي في شخصيته ،جراء تلك السياسة المتبعة والمحبطة لكل الآمال لدى الشباب الذي يشكل اكثر من نصف الشعب المغربي.
هناك من يقول أن معارضة المهرجان قد تراجعت بشكل كبير ، يمكن أن يكون ذلك صحيحا ، ولكن هذا لا يعني أنه صار مقبولا أو مرحبا به ، حتى لو شاهدنا جموع الشباب ترقص على جراحها في هستيرية رافضة لواقع فيه الإقصاء وبناء جدران عالية لسد الأفق أمام ابنائنا ، بحيث لا يتعلمون وحتى لو تعلموا لا يشتغلون وحتة لو اشتغلوا فبالوساطة والرشوة لا عن طريق الكفاءة والاستحقاق ، وهذا ليس تجني على أحد ، بل يكفي فحص واقع التوظيفات والتعيينات في المؤسسات العمومية والإدارات لمعرفة من ينعم بالمناصب وامتيازاتها.
إن سن مثل هذا المهرجان في ظل الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية ليس قيمة مضافة لشعب لازال محروما من اولويات العيش في القرى وهوامش المدن التي صارت أحزمة من الفقر واوكارا للجريمة والتسول والدعارة ، فعوض هدر الزمن المغربي لمدة اسبوع بالكامل وفي فترة الامتحانات كان من الأجدر تخصيص هذا الأسبوع لنظافة الدروب والأزقة وتنقية العقول من الشعوذة ومن الكلام الساقط الذي يلوث كل أماكننا العمومية من نتاج تلك السياسة التي تغيب كل ما هو اصيل وسام فينا وتحشرنا ضمن قوم لا هم لهم سوى الاعتداء والنهب والتحقير وإذلال الأخر وفي أدنى الحالات جعل الأمر صعبا للغير عوض التيسير. . لست من مؤيدي هذا المهرجان ولن ارفع قلمي إلا ضده مادام واقعنا لم يتغير للأفضل ما دمت أشاهد تلك المظاهر الاجتماعية والاقتصادية التي ساهمت فيها السياسات المتتالية بشكل مباشر وعن قصد، أعلم سلفا أن موقفي لن يزعزع سياسة لها من الإمكانات المادية البشرية الكافية ليصير نقطة في بحر من القدرات اللوجستيكية من المؤيدين من الإعلام ووسائل الاتصال ومنابر تستمد تمويلها من جيوب الشعب، لكني اومن حق الإيمان أن كلمة الحق ستعلو وتنتصر ولو في زمن انتصار نقطة ماء على الصخر
