مسؤولية التغيير بين النخبة والعامة
سعيد المودني
نظريا لا يمكن لجماعة بشرية تنشد الانخراط في نشاط جماعي أن تهب هكذا، دون منسق أو قائد، وهذا مثبت عقلا ونقلا عبر التاريخ، لذلك فإن السلطات، عبر الزمن، عندما تريد وأد أية حركة، فهي لا تنفي الشعب ولا تسجنه، وإنما تكتفي بتطبيق ذلك على القيادات..
وعمليا، تحتاج الحركات الاحتجاجية المطالبة بالتغيير أو الإصلاح إلى شرارة.. وفي الواقع نحن لا نعدم الشرارة، فما أكثر ما ننوء تحت وطأته ونرزح، بل إن شرارات قد آتت أُكلها بالفعل في جل ربوع البلاد، فولدت حراكا ماديا مباشرا،، واستمرت التضحية والتدافع إلى أن خذلتها(عن قصد أو عن غير قصد) القيادات والنخب السياسية والفكرية والمدنية، ولو أرادت(القيادات) له(الحراك) الاستمرار ورفع السقف لكان لها وله ذلك..
وعليه فعلى الناقمين على عامة الشعب تكاسله وتخاذله يطرح سؤالان: لماذا بدأ الحراك؟ ولماذا ذهب ريحه فتوقف؟
الجواب واضح: إنه قرار النخبة ولعبة القيادات، انطلاقا وتوقفا، سلبا وإيجابا!!
أيها الإنسان، هل يُتصور أن يتواعد أناس، في مكان ما، في زمان ما، دونما تنسيق أو رابط؟؟
إن هذه الدعوات القاعدية(دعوات الاحتجاج) ما فتئت تطلق، وهذه الآن(في تلك المحادثة) واحدة منها،، ماذا أنجبت؟؟ إنه التنظيم يا صديقي، التنظيم.. والتنظيم قيادات وهياكل وهرمية: قوة تحكمية ديناميكية قوامها تلابيب القوى الضاغطة!!
في كل الأحوال أنا لا أحتمل لوم وإيلام الشعب المسكين الغارق في غياهب التجهيل والتفقير والإلهاء، لأني بكل بساطة أكون قد انضفت، من حيث لا أدري، إلى قائمة جلاديه(السلطة، الفقيه...)، وأكون قد جلدت، من ضمن من جلدت أمي وخالي وعمي... الشيوخ والعجائز، الأميين المغيبين... لأنهم هم أيضا من أفراد الشعب الذي يفترض فيه أن ينهض من تلقاء نفسه!!
للشعوب قيادات سياسية ونخب فكرية هي المنوط بها قيادتها وتأطيرها و"تحريكها"، أما وأن الطلائع السياسية والفكرية أغلبها متخاذلة(لتواطؤ أو سوء تقدير فظيع يرقى لدرجة المشبوه)، فإن الشعوب المسكينة لا تحمّل أكثر مما تحتمل..
إن مسألة القيادة والتنظيم في التجمعات لا تقتصر فقط على الإنسان، بل جل الخلائق الاجتماعية الطبع تنظم نفسها داخل كيان له قائد..
إن الدين المطلوب فيه الإخلاص أكثر من أي شيء آخر، لم يقذف الله تعالى في قلوب العباد(على الأقل في ما يخص البشر) الإيمان هكذا، وإنما بعث الأنبياء والرسل قصد قيادة الجماعة في بناء صرح كل دين جديد..
إن قياداتنا استقالت، وعن النضال تخلت وأقلعت، ولجماح شعوبها في التوق للحرية والكرامة والعيش الهنيء كبحت.. تارة بداعي التعقل والتأني والروية، وأخرى بباعث التدرج والحلم والاستنان بالسنن الكونية، وثالثة بسبب حال أحسن من حال، ورابعة بوازع أنه ليس في الإمكان أحسن مما هو كائن، وخامسة: انظروا كوسوفو وسراييفو... ولا تنتهي الأعذار ولا ينضب زيت الفرامل.. كما لا يقول لك أحد انظر الدانمارك أو كندا!!...
والحقيقة أن منهم من مُلك قرارُه بالتدجين والتوريط تطبيقا للقاعدة المغربية الأصيلة، والاستثناء المغربي الراسخ: "كل ووكل"، حتى وإن كانت النسبة بين "كل" و"وكل" هي واحد لمليون!! ألا تقول النكتة المغربية على لسان موظف قليل الأجر عند خِطبته لبنت "أنا والقايد كنشدو 4 مليون"؟؟ مع أن أجره لا يتعدى 2500 درهم!!
ومنهم من تورط في طاعة عمياء غير مشروطة، لكن هذه المرة بالمجان!! أمله الوحيد نيل الرضى، والاعتراف بالوجود بالفعل بعدما حقق الوجود بالقوة، وإبعاد التهم والشُّبه من حوله ولو إلى حين.. ومع ذلك أدى ما عليه ووفى، لكنهم لم يوفوا، وليس من شيمهم الوفاء.. فانطبق عليه المثل المغربي الدارج: "بحال ساعي اليهود: لا دنيا لا آخرة"!!
ومنهم من طمس بصيرتَهم ثقلُ الذنوب وعمى بصرَهم حقدُ الإيديولوجيا، فاستحبوا البغي على العدل، واستبدلوا السعي لإعتاق الأمة من الاستبداد بالفرقة وإضعاف الصف وتفويت الفرص!!
إن سياسيينا منشغلون إلى الأذقان في التصفيق والتطبيل والتهريج والتشريع للشرعنة..
وفقهاؤنا بعد أكملوا فصول الطهارة وصلاة الجنازة، وعرجوا على إظهار سماحة الدين الإسلامي الحنيف كي يطمئنوا غير المسلمين المرعوبين،، ها هم قد ارتقوا بالرسالة شيئا ما، فلم يعودوا يحرمون على السياسة أن تعلوا المنابر، حيث أجدّوا واجتهدوا فأصدروا وابلا صيبا من فتاوى تجريم وتحريم وتكفير الخروج على السلطان المتغلب، ذرءا للمفاسد وحفاظا على أرواح الموالين للسلطان، ولو تطلب الأمر إبادة الأرواح الأخرى!! فكوفؤوا بكنوز من دراهم تزيد عن الألف، وبغطاء صحي من النوع الرفيع..
أما مناضلونا، وما أدراك ما مناضلونا.. آخر صيحة!! فهم من فرط حدادهم على واقع أمتهم المتردي، لم لا ولن يدخروا جهدا في مواجهة أي خطب وفتح أي "طابو"، حتى ولو وصل بهم الأمر لاقتحام أية منصة، وولوج أي "استوديو"، والكتابة في أي منبر، كان الأداء بالعملة المحلية أو الصعبة، مقدما أم مؤخرا، رُفع السعر أم خفض،،، بل في آخر كل معركة -تماما كالتجار- يزيدون قسط نضال مجانا قد يصل فقرة أو فقرتين حسب الحالة العصبية.. وهكذا فهم لم يتركوا باب نضال ملح آن مصيري فارق... إلا ولجوه، بدءا من الحرية الجنسية إلى حرية الإفطار في نهار رمضان إلى المساواة بين الجنسين ولكن على الهوى: مرة مساواة وأخرى كوطا، وثالثة ""تمييز إيجابي""، إلى إباحة تعدد الخليلات ومنع تعدد الحليلات... وهم مع ذلك طبقات ومذاهب: أدناهم مسلمون أكثر من "المتأسلمين" المتشددين المتطرفين الذين يأخذون بالإسلام السلفي(المصطلح هنا بمعناه الفقهي وليس السياسي) الأصولي، غير أن أحدا منهم لم "يكمل خيره" وينشر بيننا إسلامه لعلنا نتبعه إن كان لنا فيه يسر وأجر.. وأعلاهم من يصارح نفسه وقومه، ويريح ذوي النهى بطرح معادلة ليس أبسطَ منها شيء: الدين(على إطلاقه)=خرافات الماضي. انتهى. هذا زمان العقلانية.. وليذهب 6 ملايير متدين حاليا على الكوكب -عوامهم ومثقفيهم، متعلميهم وأمييهم، فلاسفتهم وفقهائهم، علمائهم وأدبائهم، فيزيائييهم ورياضييهم، كيميائييهم وبيولوجييهم...- فليذهبوا كلهم إلى مصحات الحجر الصحي..
نعم هذا هو سبب البلاء: "خيانة" جزء كبير من النخبة لأسباب متعددة، وتحت مسميات وذرائع مضللة، وعجز البقية الباقية ومعها عامة الشعب "المفرد" -بالتالي- عن القيام بالمطلوب..
ليس حتميا أن نتفق على حل مقترح -أو حتى على مجرد التوصيف-، والحالة هذه سيبقى هامش الاختلاف شاسعا، ربما نكون فقط قد غيرنا "مجال أو مجموعة التعريف"..
بالنسبة لي، فإن هواننا قائم بسبب فرقتنا وتفرق دمِنا -كعامة\قاعدة- بين غير المهتم تماما(أقصد الانتماء السياسي أو الحركي)، وهم الأغلبية الغالبة، والمهتم ولكن بما يمكّنه من التسلق، وقلة قليلة(بالنظر إلى حجم الشعب من جهة، وحجم التضحيات المطلوبة من جهة ثانية) مهتمة بما يمكن أن ينفع الناس..
بعبارة أخرى، ودون المباشر من القول، تصور أن نسبة من الشعب -كافية لخلق قوة مساومة- منتمية إلى تنظيم معارض معارضة حقيقية في السر والعلن(ولا أخصص هنا أي توجه فكري: ليبرالي، يساري، إسلامي... المهم صدق المعارضة)، كيف سيكون تعامل النظام معها؟؟
فقط لمن يشكك في أهمية القيادات: وزارة داخلية مصر: نفس الطاقم وتحت إمرة نفس الوزير في عهدين!!! ما يمكن فعله؟؟: استبدال شعب؟؟؟!!!
كانت هذه مداخلاتي في سجال دار بيني وبين أحد أصدقائي الفيسبوكيين -من الذين هم على الشعوب الخاملة ساخطين- حول مسؤولية الشعوب في التغيير...
