المواطن والاحصاء العام للسكان والسكنى أو جدلية الحق والواجب
عبدالفتاح المنطري
في اطار المواكبة الاعلامية لعملية الشرح والتنوير التي تقوم بها القوافل الوطنية التابعة للمندوبية السامية للتخطيط من أجل تقريب المفاهيم وتبسيط الرؤى للمواطن البسيط حول عملية النسخة السادسة من الاحصاء العام للسكان والسكنى المزمع اجراؤها بين 1 و20 شتنبر2014 ، سأحاول المساهمة بدوري من خلال هذه المادة الصحفية في تسليط الضوء على أبعاد العملية اجتماعيا وثقافيا وتعليميا وصحيا ونحو ذلك وأهميتها العظمى للدولة والمواطن وجدواها الاقتصادية والتحسيس بضرورة المشاركة فيها بكل صدق ووفاء بغية انجاحها بنسبة تقارب المائة من أجل حاضر ومستقبل وطننا وأبنائنا .
الاحصاء كعلم في اللغة وفي القرآن
أحصى ، يُحصي ، أحْصِ ، إحصاءً ، فهو مُحصٍ ، والمفعول مُحصًى:
• أحْصَى الشَّيءَ عدَّه وأحاطَ به ، حصره ، ضبطه " إحصاء السُّكَّان / الطُّلاب ، - إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا ، مِائَةً إلاَّ وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ [ حديث ]
ويقول المؤلف محمد صفوح الموصللي صاحب كتاب " خواطر علمية من كتاب الله " :
"الإحصاء علم من العلوم الحديثة والمعاصرة ، وقد أصبح هذا العلم من العلوم التي تلبّي إحدى الحاجات الملحّة للجهات والمؤسّسات التي يقوم على عاتقها التّخطيط للبلاد واتّخاذ القرارات التي تنسجم مع المؤشّرات التي تنبثق عن الدّراسات الإحصائية ، ولا بدّ لأيّ مجتمع حديث من اللّجوء إلى الإحصاء لكي يستطيع أن يتطوّر بشكل منطقي وسليم ، وهذا يعني أنّه لابدّ عند وضع أي خطّة من معرفة أعداد المجتمع الإحصائي وتشكيل الجداول والبيانات الإحصائيّة التي هي جملة الأعداد التي تعبّر عن الظاهرة المدروسة .
لقد توصّل علماء الرّياضيات في القرن الأخير إلى إعطاء علم الإحصاء التعريف الدقيق له وهوكما يلي : الإحصاء هو علم التعداد .
إذا كان هذا هو تعريف علم الإحصاء فقد أشار القرآن الكريم إليه منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام حيث قال الله تعالى :
" لقد أحصاهم وعدّهم عدّاً " ( مريم 94)
والإحصاء يتضمّن تعداد البشر والشجروالحجر والحيوانات بأنواعها المختلفة والأبنية وكل شيء . قال الله تعالى في كتابه العزيز :
" مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلّا أحصاها" ( الكهف 49 )
" وكلّ شيء أحصيناه في إمام مبين " ( يس 12 )
" وأحاط بما لديهم وأحصى كلّ شيء عدداً " ( الجن 28 )
" وكلّ شيء أحصيناه كتاباً " ( النبأ 29 )
" أحصاه الله ونسوه " ( المجادلة 6 )
وإذا استطاع البشر في يومنا هذا ملء ملايين الجداول الإحصائية لمخلوقات الله تعالى فإنّهم يعجزون عن تعداد نعم الله عليهم :
" وإن تعدّو نعمة الله لا تحصوها " ( ايراهيم 34 )
والجدير بالذكر أن علم الإحصاء الذي يعتمد على الأعداد والأرقام كان له دور في وصول العلماء إلى اختراع الأجهزة الرقمية ( ديجيتال ) التي يفتخر بها الإنسان المعاصر اليوم ، وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك بقوله عزّ وجلّ :
" وما أدراك ما عليّون ..كتاب مرقوم " ( المطفّفين 20 )...انتهى كلام الموصللي.
وقد أوصت هيئة الأمم المتحدة بضرورة إجراء إحصاء عام للسكان والسكنى
أو تعداد سكاني كما جرى توصيفه أيضا مرة واحدة على الأقل كل عشر سنوات . وهكذا انتظمت المملكة المغربية بدورها في إنجاز هذه العملية الوطنية ست مرات منذ سنوات الاستقلال ، و قد جاءت على الشكل التالي :
- 11.626.232 مليون نسمة سنة 1960
- 15.321.210 مليون نسمة سنة 1971
- 20.449.551مليون نسمة سنة 1982
- 26.073.717 مليون نسمة سنة 1994
- 29.891.708 مليون نسمة سنة 2004
- (؟؟؟؟؟؟؟؟) مليون نسمة سنة 2014
لماذا نحصى ومساكننا؟
تخيل معي عزيزي القارئ/عزيزتي القارئة أنه وقع الاختيار عليك لتسيير مخيم قار وكبير ودائم فيه عدد هائل ومتغير من الأسر، وأنك في موقع مسؤولية لتوفير كل الحاجيات الضرورية لهذا المخيم من غذاءوعلاج ولباس وتربية وتعليم وتثقيف ورعاية وإنجاب فضلا عن التسلية والترفيه .فهل بمقدورك والحالة هذه أن تواجه أوتواجهي كل أو معظم الطلبات والرغبات دون التوفر على نظام إحصائي عريض ومتغير وشامل ، متطور ومتجدد حسب الزمان والموقع ، ويهم الفرد ومأواه.
هكذا هي إذن حال الدولة مع أفرادها والوطن مع أبنائه، كالأم مع أطفالها في السعي إلى تلبية مختلف الطلبات والرغبات من خلال آلية الإحصاء والتتبع عبر سنوات العمر كلها.
ومما سيسعد المواطن المستقبل لعملية الإحصاء أيضا ، دعوة جلالة الملك محمد السادس في الخطاب السامي الذي وجهه إلى الأمة بمناسبة الذكرى ال15 لتربع جلالته على عرش أسلافه الميامين، إلى القيام بدراسة لقياس القيمة الإجمالية للمغرب ما بين 1999 و 2013. وبأن يشمل الإحصاء العام للسكان، الذي سيتم القيام به خلال هذه السنة، المؤشرات المتعلقة بالرأسمال غير المادي للمغرب، كما دعا جلالته إلى إبراز قيمة هذا الرأسمال واعتماده كمعيار أساسي خلال وضع السياسات العمومية، وذلك لتعميم استفادة جميع المغاربة من ثروات وطنهم.
والاحصاء السكاني قد يكون واقعيا و فيه يحصر الاشخاص داخل الدولة في تاريخ معين بغض النظر عن محل اقامتهم أو جنسياتهم .
وقد يكون نظريا و فيه يحصر الاشخاص داخل الدولة او خارجها و يحملون جنسيتها .
ويهدف إلى معرفة :
- متوسط النمو السنوي الفعلي للسكان
- معدل المواليد
- معدل الوفيات
- معدل الخصوبة
- معدل الزيادة الطبيعية
-عدد النشيطين والعاطلين
-عدد الشباب و الشيوخ و الاطفال
-عدد الاناث في سن الخصوبة و عدد المتزوجات
- نسب المتعلمين والأميين
- شكل الهرم السكاني
-عدد الأبنية وأنواعها وكيفية استغلالها
ومن خلال هذه المؤشرات الإحصائية وغيرها ، نتمكن من التعرف على نمو السكان المتوقع و ندرك بالتالي هل الموارد تستوعب عددهم ام لا تستوعبه،وكيف يمكن تكييف وتطوير سبل العيش لجميع السكان .
الحق حق والواجب واجب!!
وحتى تمر عملية الإحصاء العام للسكان والسكنى في أجواء سليمة وحماسية ، ينبغي استحضار مفهموم الواجب مقابل الحق عند كل مواطن والتحلي بالصدق والوفاء والثقة في التصريح بالمعطيات المطلوبة، وهنا تنبغي الإشارة إلى البلاغ التوضيحي للمندوبية السامية للتخطيط الذي أكدت فيه على أن كل المساطير والقيم المؤطرة لعمل مؤسسات الإحصاء في المغرب, كما في العالم تمنع منعا كليا وصول أي هيئة كيفما كانت سلطتها للاطلاع على أية معلومة عن أي شخص موضوع أي بحث إحصائي .
ويقول المثل الشعبي :"ميات تخميمة وتخميمة ولا ضربة بالمقص" ، هكذا تفكر الدولة في مواطنيها وممتلكاتهم من خلال آلية الإحصاء العام كل عشر سنوات.
