بن كيران يصنع الحدث بواشنطن
يوسف الإدريسي
أخيرا أعلنها رئيس الحكومة المغربية مدوية أمام المجتمع الدولي عبر أحد المنابر الإعلامية الأمريكية أثناء زيارته لواشنطن، بأن حكومته لا تحكم وأن حزبه يترأس الحكومة فقط، قبل أن يعلق إخفاقاته على شماعة الجسم الإعلامي الذي وصف بعضا ممن ينتسبون إليه بالناقمين والمسترزقين. بذلك يكون رئيس الحكومة قد طعن من حيث لا يدري في جوهر الإصلاحات الدستورية التي طالما وظفها كورقة تسويغية ضد خصومه المنتقدين لخياراته السياسية، مزايدا بها عليهم كلما تعكرت الأجواء.
من هنا جاز لنا أن نستذكر السياق العام لتنصيب الحكومة الحالية بعد إرهاصات الاستحقاق الدستوري المزعوم وشعارات الإصلاح السياسي الملغوم، الذي أفرز لنا وضعا سياسيا غير مفهوم، تمخض عنه ما سُمّي بهتانا بثورة الصناديق، بدت هذه الحكومة حكومة تصريف أعمال، حكومة أقوال لا أفعال، بدلا من أن تكون حكومة سياسات إجرائية تمتلك سلطة القرارات، حكومة تضع الخطط والآليات بغية إطالة عمرها وتحصين أدائها المتسم بالارتجالية، حكومة تضع حدّا لثقافة الريع والفساد المالي المنظم، إلا أنها وللأسف خالفت التوقعات ولم تستطع تحصين نفسها بل لم تجد بعد عنوانا يجسد مرجعيتها وبرنامجها.
نحن ندرك أن الطريق غير معبدة للتغيير ونعلم يقينا أن هناك تضحيات وصعوبات قد تنجم عن المبادرة والإلحاح في الإصلاح، كما أن الشعب المغربي يدرك أن طبيعة المرحلة تقتضي من الحكومة الحالية بنسختيها الأولى والثانية المستفيدة من ربيعه، الوقوف باعتدال أمام مطالبه السياسية والاجتماعية والاقتصادية وأن لا يكون هناك تضارب بالأقوال والأفعال قصد تقويض إرادته والالتفاف على جوهر مطالبه.
لكن يبدو أن الحكومة الفعلية أو مسؤولي الظل لم يدركوا ذلك وليس لديهم خطة واضحة لمعالجة الوضع الحالي، بدليل الممارسات القمعية ضد أصحاب الحقوق ومناضلي الرأي كما صرحت من ذي قبل "سارة ليا ويتسن" المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في "هيومن رايتس ووتش"، وهشاشة الموقف اتجاه بعض القضايا المهمة أبرزها دفاتر التحملات الخاصة بالإعلام وملف تدبير مأذونيات مقالع الرمال والصيد في أعالي البحار، بالمقابل يتم الاستجداء بجيوب المواطنين كحل قسري للأزمات المتعاقبة تباعا.
ما يمر منه المغرب من ظروف سياسية واجتماعية واضح جلي، ومنذ البداية كان لزاما على الحكومة أن تتحول إلى حكومة أزمة تنظّر وتخطط و تطرح مشاكل المستقبل بوسائل الحاضر عوض أن تعتمد على خرجات إعلامية استعراضية لا تسمن ولا تغني من جوع. في الوقت الذي كنا نمنّي فيه النفس في تحقيق نوع من المكتسبات السياسية نستشرف من خلالها معالم مستقبل طالما انتظرناه، ابتداء بدستور جديد قديم وانتخابات تشريعية بطعم خاص وصلاحيات موسعة لرئيس الحكومة، طفت على سطح المشهد السياسي نماذج من التنازلات غير المبررة لرئيس الحكومة الذي كان يؤكد قبل تعيينه على احترام الدستور وتفعيل بنوده فيما يخص صلاحيات رئيس الوزراء، وقد تجسدت هذه التنازلات في التعيينات الأخيرة لبعض المسؤولين السامين الذين أسالوا الكثير من المداد، مما أثار حفيظة نواب حزب فخامة الرئيس، حيث أبدوا مفاجأتهم بمنح رئيس الحكومة الثقة لعدد من الولاة والعمال الذين عانى المواطنون معهم، وهذا ينم عن وجود اختيارات أو إرادات أخرى في الجهاز التنفيذي للحكومة مما ترتب عنه إضعاف القدرة التشريعية والتنفيذية على فعل أي إجراء سياسي وبالتالي سيبقى الوضع على ما هو عليه.
