أصدقاء ليبيا وأصحاب المصالح
بقلم طارق جبل
اجتمع أصدقاء ليبيا في باريس لتباحث الشأن الليبي كما كانوا يجتمعون بالأمس القريب مع وفود النظام البائد لتدارس مصالحهم الاقتصادية والاستراتيجية في زريبة العقيد. وبعد أن مسخت قدرة قادر "المجاهد المناضل من الخيمة" إلى جرذ حقير يختفي في جحر صغير من جحور القوارض، تذكر الأصدقاء في تصريحاتهم صفات ذميمة قديمة عن الدكتاتور المجنون والقائد المهلوس وممول الجماعات الإرهابية ومنظم طقوس البونغا بونغا وأجواء العربدة ومؤسس النظريات السياسية الخزعبلاتية...بعدما كان عراب العرب وزعيم الأفارقة عندما اتعظ من التجربة العراقية، فأمطر المجتمع الغربي بسيول جارفة من البيترودولارات، كفرت عنه خطاياه وشفعت له عنترياته إلى حين.
منذ أيام ليست ببعيدة، أطرب أهل الدبلوماسية في بلادنا مسامعنا بتلاوة متلعثمة متعثرة استباحت عرض التركيب اللغوي وقواعد النحو وأحكام الإعراب في بيان تفضلوا به على المجلس الانتقالي الليبي ببركة الاعتراف (كممثل شرعي والوحيد لشعب الليبي شقيق...). أتى البيان الدبلوماسي بعد فوات الأوان (بدل الوقت بدل الضائع) ليكون عربونا على انحطاط أخلاقيات الدبلوماسية العربية تحت مستوى البحر، وليكون آية في تكسير عظمة اللسان العربي وتعطيل البيان اللغوي تحت درجة الصفر. مع كل ما سبق، لا يجوز أن نتخيل أن بيان الدبلوماسية المغربية منعطف تاريخي خطير في أحداث الثورة الليبية التي أشرفت بدايتها على نهايتها، بقدر ما يجب أن نعي أنه كان مشهدا سياسيا جانبيا عقيما وتمرينا في أسلوب لغة الخشب إجباريا. خصوصا بعد ما أصابنا من صمم انتقائي شمل نوايا النظام الحسنة ووعود الأحزاب الفارغة ودعارة الصحافة ذات العشرين وجه على أقل تقدير، لم ننتبه أكثر مما يجب لما حاول أن يتلعثم به لسان الخارجية من عبارات فولكلورية سئمناها من كثر ما سمعناها وحفظناها. لكننا أرهفنا السمع في المقابل، لتلقي ما لم ينطق به بوق الدبلوماسية، فأمعنا النظر في تفاصيل الحركات والسكنات وملامح الوجه ونبرة الصوت وطريقة الكلام وأسلوب العرض. رأينا رعشة باركينسونية متقدمة، وسمعنا رجفة في الحديث ولمسنا خوفا من المجهول وتحسبا لبداية النهاية بعد أن تحطمت أعتى الفرضيات الديكتاتورية وأدمى البربريات الشمولية وأتفه الإيديولوجيات الخرافية على صخرة الواقع الثوري في ليبيا.
لكن لا داعي لاجترار لازمات الدبلوماسية الغربية والعربية، لأنه لم يكن بالإمكان غير ما كان. وكله تحصيل حاصل في منطق الحسابات السياسية والمصالح الاقتصادية. لا المجتمع الغربي يضحي بترسانته الأوديسية ويضيع وقته وماله وجهده في سبيل الحرية والعدالة العالمية وتصدير الديمقراطية وتخليص صديق لذوذ من قبضة عدو حميم. ولا الأنظمة العربية الاستبدادية تعي أنها تراهن على اقتراب أجلها عندما تجير الهاربين من قدر لن يهملهم بعدما أمهلهم عقودا طويلة استباحوا فيها ثروات البلاد ونحروا رقاب العباد.
