الحساب صابون
طارق جبل
تراكمت على سيارتي المتهالكة على هيكلها طبقات جيولوجية سميكة من الغبار، دفعت أحد المصلحين الاجتماعيين -أشك في أنه من سكان الحي وأن عمره لا يتجاوز العاشرة، يعرفني وأعرفه- إلى أن يكتب بأنامله على غبار غطاء المحرك (ما هذه الوساخة يا دكتور؟ غسلني من فضلك!). نزولا عند رغبة هذه الرسالة الشخصية، قررت أن أقوم بتنظيف السيارة في مغسل والتر وايت طباخ الميثامفيتامين المعروف بهايزنبرغ. كان أحد المهاجرين المكسيكيين منهمكا في مسح زجاج السيارة الأمامي بخرقة بالية وقصاصة قديمة من النيويورك تايمز، عندما استوقفتني من مجلسي خلف المقود عبارات مقتضبة من مقال سياسي لم تسعفني في تبين حكايته لا مبادئ القراءة السريعة ولا حركات العامل بالعرض البطيء. بعد محاولات ميمية فاشلة وحرب حضارية مغربية-ميكسيكية، قررت أن أقطع سوء التفاهم بالنزول من السيارة وانتزاع ورقة الجريدة -أو ما تبقى منها- من يد العامل المذهول.
جاء المقال الذي نشرته النيويورك تايمز بعد سقوط طرابلس في أيدي الثوار الليبيين، تحت عنوان (ملفات تشير إلى الصلات الوطيدة بين وكالة الاستخبارات الأمريكية ومخابرات القذافي)، بأمثلة موثقة في ملفات عثرت عليها منظمة مراقبة حقوق الإنسان بمعية بعض الصحفيين تؤكد عمق التعاون الاستخباراتي بين الغرب والنظام الليبي السابق إلى درجة لم تكن في الحسبان، بعد تخليه عن برنامج صناعة الأسلحة غير التقليدية سنة 2004. يتعلق الأمر بثلاثة ملفات على الأقل تضمنت وثائق مكتوبة باللغة الإنجليزية. ملفان يخصان إم.آي.6 والملف الثالث خاص بالسي.آي.اي. تغطي الملفات المذكورة الفترة الممتدة ما بين 2002 و 2007، وخاصة أواخر عام 2003 و 2004، حيث كان موسى كوسة يشغل منصب رئيس جهاز الأمن الخارجي، قبل أن يتكلف فيما بعد بمهامه كوزير للخارجية. تلقي المعلومات المتفرقة المقتبسة من هذه الملفات ضوءا جديدا على مستنقعات تورط وكالة الاستخبارات المركزية والمخابرات العسكرية البريطانية في خدمة النظام الليبي البائد... تنافس كاريكاتوري على تقديم خدمات التنصت على مكالمات المعارضين وتعقبهم أو حتى تسليمهم لقضاء أسود وقدر لا يرحم... تبييض سمعة العقيد باقتراح مسودة لخطاب إنشائي يتغنى بحتمية السلام في الشرق الأوسط ويلعن أسلحة الدمار الشامل...تسليم المشتبه في ضلوعهم فيما يعرف بقضايا الإرهاب الفضفاضة لأجهزة الأمن الليبية بغرض التحقيق معهم في "ظروف تصان فيها الكرامة وتراعى الإنسانية بمعايير محلية" يتفق عليها محققون سبقوا الجماهيرية الموزية في شرف التكليف بعقود الاستنطاق في سورية والأردن والسعودية ومصر وتونس والمغرب...
من المنطقي أن يغمى على شريحة واسعة من الرأي العام في المجتمعات الغربية من وقع الأرشيفات الاستخباراتية وتطور الأحداث في العالم العربي. لكن تبقى هذه الخبطات الصحفية والثورات الكوبرنيكية أخبارا قديمة منتهية الصلاحية من منظور الشعوب العربية. ألم يعترف جيمي كارتر الرئيس الأمريكي السابق بعظمة لسانه على بعد أسابيع قليلة من أدائه لليمين الدستورية عام 1977 لصحفي (الواشنطن بوست) بوب وودوارد ورئيس تحريرها بن برادلي بأن الملك حسين عاهل الأردن الراحل كان يتلقى من وكالة الاستخبارات المركزية راتبا سنويا يتجاوز المليون دولار منذ سنة 1957، علاوة على مدفوعات إضافية مخصصة لتكاليف حراسته وحراسة حاشيته؟ ألم يطر الملك حسين بمروحيته ليلة حرب اليوم كيبور سنة 1973 ليبلغ رئيسة الوزراء الإسرائيلية غولدا ماير بنبإ هجوم التحالف المصري-السوري. وكان الطريف في الأمر أنها لم تصدقه؟ ألم يكن أنور السادات عميلا للمخابرات الألمانية قبل أن تجنده إدارة لانجلي كما جندت ديكتاتور بنما الجنرال مانويل نورييغا والجنرال أوفقير وماجاورهما من الجنرالات وغير الجنرالات ممن يعيشون وممن واراهم التراب غير مأسوف عليهم؟ ألم يرخص الملك الراحل الحسن الثاني للموساد استعمال أساطيله الخاصة بالصيد البحري في أعالي البحار في اعتراض مكالمات استراتيجية بين شمال إفريقيا وأوروبا، كما وفر للإسرائيليين نعمة التنصت المباشر على مجريات المؤتمرات العربية والإسلامية، وعلى رأسها اجتماعات لجنة القدس، في ظروف مثالية لا تشل فيها استضافة الموساد الرمزية حميمية المداولات وعفوية المناقشات بين الضيوف الرسميين؟
أمثلة بيانية كثيرة وأسئلة بلاغية وفيرة يستحسن أن تُلَم قبل أن يطول بها المقام في ألم وألم وألم، فتصيب القراء بالضجر فينامون أوبالقرف فينتحرون. بعد لملمة هذه الأمثلة -وغيرها متوفر بكميات صناعية في سوق العمولات والعمالات- يتضح بجلاء مدى اختراق التنظيمات الاستخباراتية الغربية لأجهزة صنع القرار القومي العربي على مستوى القمة لدرجة تغلب فيها المنافع الخارجية مقابل دوام حال الأنظمة الاستبدادية على حساب مصلحة الشعوب المغلوبة على أمرها طوعا بالاستهانة والانتخابات المطبوخة أو كرها بالإهانة والتصفيات المعنوية والجسدية.
إن التهاون في تفكيك تركيبات وآليات هذا الاختراق والتماطل في تعقب ومحاسبة المسؤولين الحقيقيين جميعهم -لا محاكمة رؤوس القطعان وأكباش الفداء، لن يجر على حكومات ما بعد الثورة ومافوق الإصلاح إلا سيرة الثورات وثورات على الثورات. مقدمات لا تبشر إلا بسيول جارفة مخضبة بدماء الشهداء، لن يبيضها كلور الإصلاحات الترقيعية ولن ينفع معها لمعان الوعود الكريستالية، على غرار ما لم ينته في تونس ومصر وليبيا إلا ليبدأ، ما يجري في سورية واليمن، وما سيقع في أقطار أخرى تنتظر دورها؛ تعرفونها بأسمائها وتعرفكم ببطاقات هويتكم.
http://gibraltarblues.blogspot.com
