كفى أيها الكبار
يوسف الحزيمري
قديما قال الشاعر سبط ابن التعاويذي (ت.519هـ):
إذا كان رب البيت بالدف ضارباً *** فشيمة أهل البيت كلهم الرقص
هذا البيت الذي أصبح مثلا يضرب في القدوة السيئة، يصدق على حال كثير من كبارنا في مراكز القرار السياسية والرياضية وغيرها...، فعندما يرى الصغار كبارا يسيرون الشأن الرياضي يتصارعون كالتيوس في الزريبة، ويضرب بعضهم بعضا، فماذا سيتعلمون منهم إذا كانوا داخل الملاعب الرياضية، وعن أي روح رياضية نتحدث بعدها.
وحينما يرى الصغار كبارا في السياسة يتلاكمون، ويتبادلون السب والشتم، فعن أي روح أخلاقية وديمقراطية يمكن الحديث عنها بين الشبيبة، وعن أي تمثيلية نزيهة لطموحات الشعب في قبة التشريع.
وهنا كان نص الخطاب الملكي مصيبا وذا بعد استشرافي في افتتاح الدورة التشريعية التاسعة حين دعا إلى أخلاقيات الممارسة السياسية في قوله: «أما ممارسة الشأن السياسي، فينبغي أن تقوم بالخصوص، على القرب من المواطن، والتواصل الدائم معه، والالتزام بالقوانين والأخلاقيات، عكس ما يقوم به بعض المنتخبين من تصرفات وسلوكات، تسيء لأنفسهم ولأحزابهم ولوطنهم، وللعمل السياسي، بمعناه النبيل».
حينما يتولى الكبير مسؤولية الصغير- من حيث التكليف لا من حيث السن- فإنه ينبغي أن يكون قدوة حسنة، يمشي على خطاها الصغير، ويعتز بأن له قدوة يهتدي بها، وما قامت الحضارة الإسلامية إلا بهذه القدوات الحسنة، إذ عليها بنيت دعوة الأنبياء، قال تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ } [الممتحنة: 4]، وقال تعالى:{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ} [الممتحنة: 6]، هاتان الآيتان جاءتا في سورة الممتحنة، وهي كما قال سيد قطب «حلقة في سلسلة التربية الإيمانية والتنظيم الاجتماعي والدولة في المجتمع المدني، حلقة من تلك السلسلة الطويلة، أو من ذلك المنهج الإلهي المختار للجماعة المسلمة المختارة، التي ناط بها الله تحقيق منهجه الذي يريده للحياة الإنسانية، في صورة واقعية عملية، كيما يستقر في الأرض نظاما ذا معالم وحدود وشخصية مميزة تبلغ إليه البشرية أحيانا، وتقصر عنه أحيانا».
وأيضا أخبرنا الله عز وجل أن لنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم إسوة حسنة حيث قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا } [الأحزاب: 21].
قال الشيخ السعدي في تفسيره: «وليس كل أحد تسهل عليه هذه الأسوة، وإنما تسهل على من {كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ} فإن الإيمان واحتساب الأجر والثواب، يسهل على العبد كل عسير، ويقلل لديه كل كثير، ويوجب له الإكثار من الاقتداء بعباد الله الصالحين، والأنبياء والمرسلين، فإنه يرى نفسه مفتقرا ومضطرا إلى ذلك غاية الاضطرار».
فإذا كان المتأسون والمقتدون لا تسهل عليهم هذه الإسوة إلا بالرجاء في الله وابتغاء اليوم الآخر، فكيف سيكون حال الكبار المقتدى بهم؟، حقا إن كبارنا افتقدوا إلى حد بعيد صفة القدوة، وآن لنا نحن الصغار أن نقول لهم: كفى أيها الكبار !!!.
